مسير أهل الامصار إلى عثمان:

روى البلاذري(169) وقال: التقى أهل الامصار الثلاثة الكوفة والبصرة ومصر في المسجد الحرام قبل مقتل عثمان بعام، وكان رئيس أهل الكوفة كعب ابن عبدة النهدي، ورئيس أهل البصرة المثنى بن مخَرِّبَة العبدي، ورئيس أهل مصر كنانة بن بشر بن عتّاب بن عوف السكوني ثمّ التجيبي، فتذاكروا سيرة عثمان وتبديله وتركه الوفاء بما أعطى من نفسه، وعاهد اللّه عليه، وقالوا لا يسعنا

الرضا بهذا فاجتمع رأيهم على أن يرجع كل واحد من هؤلاء الثلاثة إلى مصره فيكون رسول من شهد مكة من أهل الخلاف على عثمان إلى من كان على رأيهم من أهل بلده، وأن يوافوا عثمان في العام المقبل في داره ويستعتبوه، فإن أعتب وإلاّ رأوا رأيهم فيه، ففعلوا ذلك.

ولمّا كانت مصر(170) أشدّ على عثمان من غيره وأراد عثمان أن يخفف من غلوائهم أرسل إلى رئيسهم ابن أبي حذيفة بمال في ما رواه البلاذري(171) أيضا وقال: وبعث عثمان إلى ابن أبي حذيفة بثلاثين ألف درهم وبحمل عليه كسوة فأمر به فوضع في المسجد وقال: يا معشر المسلمين! ألا ترون إلى عثمان يخادعني عن ديني ويرشوني عليه!!؟ فازداد أهل مصر عيبا لعثمان وطعنا عليه واجتمعوا إلى ابن أبي حذيفة فرأسوه عليهم.

إنّ دراهم عثمان لم تمنع المصريين من موافاة المدينة في موعدهم مع أهل الامصار بل خرجوا من مصر مع محمّد بن أبي بكر في ما رواه الطبري وقال(172):

فقدم محمّد بن أبي بكر وأقام محمّد بن أبي حذيفة بمصر فلمّا خرج المصريون خرج عبد الرحمن بن عديس البلوي في خمسمائة وأظهروا أنّهم يريدون العمرة وخرجوا في رجب، وبعث عبداللّه بن سعد رسولا سار إحدى عشرة ليلة يخبر عثمان أن ابن عديس البلوي وأصحابه قد وُجِّهوا نحوه، وأن محمّد بن أبي حذيفة شيّعهم إلى عجرود ثمّ رجع وأظهر محمّد أن قال خرج القوم عُمّارا وقال في السرّ خرج القوم إلى إمامهم فان نزع وإلاّ قتلوه، وسار القوم المنازل لم يعدوها حتى نزلوا ذا خشب.

وقال في حديث آخر له: ثمّ إنّ عبداللّه بن سعد خرج إلى عثمان في آثار المصريين وقد كان كتب إليه يستأذنه في القدوم عليه فأذن له فقدم ابن سعد حتى إذا كان بايلة بلغه أنّ المصريين قد رجعوا إلى عثمان وأنّهم قد حصروه ومحمّد بن أبي حذيفة بمصر، فلمّا بلغ محمّدا حصر عثمان وخروج عبداللّه بن سعد عنه غلب على مصر فاستجابوا له، فأقبل عبداللّه بن سعد يريد مصر فمنعه ابن أبي حذيفة فتوجّه إلى فلسطين فأقام بها حتى قتل عثمان (رض).

وروى الطبري(173) بسنده إلى الزُّبير بن العوام قال: كتب أهل مصر بالسقيا(174) أو بذي خشب إلى عثمان بكتاب، فجاء به رجل منهم حتى دخل به عليه، فلم يردّ عليه شيئا، فأمر به فأُخرج من الدار، وكان أهل مصر الّذين ساروا إلى عثمان ستمائة رجل على أربعة الوية لها رؤوس أربعة، مع كل رجل منهم لواء، وكان جماع أمرهم جميعا إلى عمرو بن بديل بن ورقاء الخزاعي، وكان من أصحاب النبيّ (ص)، وإلى عبدالرّحمن بن عديس التجيبي، فكان في ما كتبوا:

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم

أمّا بعدُ، فاعلم أنَّ اللّه لايغير ما بقوم حتّى يغيروا ما بأنفسهم، فاللّه اللّه، ثمّ اللّه اللّه فانّك على دنيا فاستتمّ إليها معها آخرة ولا تنس نصيبك من الاخرة فلا تسوغ لك الدنيا، واعلم أنّا واللّه للّه نغضب، وفي اللّه نرضى، وإنّا لن نضع سيوفنا عن عواتقنا حتى تأتينا منك توبة مصرّحة أو ضلالة مجلّحة مبلجة(175)، فهذه مقالتنا لك وقضيّتنا إليك، واللّه عذيرنا منك والسلام. وروى البلاذري(176) وقال:

وأتى المغيرة بن شعبة عثمان فقال له: دعني آت القوم فانظر ماذا يريدون، فمضى نحوهم، فلمّا دنا منهم صاحوا به:

يا أعور وراءك! يا فاجر وراءك! يا فاسق وراءك!

فرجع ودعا عثمان عمرو بن العاص، فقال له: إئت القوم فادعهم إلى كتاب اللّه والعتبى ممّا ساءهم، فلمّا دنا منهم سلّم، فقالوا:

لا سلّم اللّه عليك! إرجع يا عدوّ اللّه! إرجع يا ابن النابغة! فلست عندنا بأمين ولا مأمون.

فقال له ابن عمر، وغيره: ليس لهم إلاّ علي بن أبي طالب، فلمّا أتاه قال: يا أبا الحسن! إئت هؤلاء القوم فادعهم إلى كتاب اللّه وسنّة نبيه.

قال: نعم، إن أعطيتني عهد اللّه وميثاقه على أنّك تفي لهم بكلّ ما أضمنه عنك.

قال: نعم، فأخذ عليّ عهد اللّه وميثاقه على أوكد ما يكون وأغلظ وخرج إلى القوم. فقالوا: وراءك!

قال: لا. بل أمامي، تعطون كتاب اللّه وتعتبون من كل ما سخطتم. فعرض عليهم ما بذل.

فقالوا: أتضمن ذلك عنه؟ قال: نعم.

قالوا: رضينا. وأقبل وجوههم وأشرافهم مع عليّ حتى دخلوا على عثمان وعاتبوه، فأعتبهم من كلّ شيء.

فقالوا: أُكتب بهذا كتابا، فكتب:

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم

هذا كتاب من عبداللّه عثمان أمير المؤمنين لمن نقم عليه من المؤمنين والمسلمين؛ أنّ لكم أن أعمل فيكم بكتاب اللّه وسنّة نبيّه.

يُعطى المحروم. ويؤمن الخائف. ويردّ المنفيّ. ولا تجمّر في البعوث، ويوفر الفيء، وعليّ بن أبي طالب ضمين للمؤمنين والمسلمين على عثمان بالوفاء بما في هذا الكتاب.

شهد الزُّبير بن العوام. وطلحة بن عبيداللّه.

وسعد بن مالك أبي وقاص. وعبداللّه بن عمر.

وزيد بن ثابت. وسهل بن حنيف.

وأبو أيّوب خالد بن زيد.

وكتب في ذي القعدة سنة 35.

فأخذ كلّ قوم كتابا فانصرفوا.

ويظهر من رواية البلاذري وغيره أنّ الخليفة كان قد كتب للمصريين خاصّة كتابا آخر غير هذا عزل فيه ابن أبي سرح عنهم, وولَّى عليهم بدله محمّد بن أبي بكر، فقد جاء في رواية للبلاذري:

فقام طلحة إلى عثمان فكلّمه بكلام شديد، وأرسلت إليه عائشة (رض) تسأله أن ينصفهم من عامله، ودخل عليه عليّ بن أبي طالب وكان متكلّم القوم فقال له: إنّما يسألك القوم رجلا مكان رجل، وقد ادعوا قبله دما فاعزله عنهم واقض بينهم، فان وجب عليه حقّ فأنصفهم منه. فقال لهم: اختاروا رجلا أُولّيه عليكم مكانه. فأشار الناس عليهم بمحمّد بن أبي بكر الصّديق(177) فقالوا:

استعمل علينا محمّد بن أبي بكر. فكتب عهده وولاّه ووجّه معهم عدّة من المهاجرين والانصار ينظرون في ما بينهم وبين ابن أبي سرح.

وقال علي بن أبي طالب(178) لعثمان: أُخرج فتكلّم كلاما يسمعه الناس منك ويشهدون عليه، ويشهد اللّه على ما في قلبك من النزوع والانابة فإنّ البلاد قد تَمخّضت عليك، فلا آمن ركبا آخرين يقدمون من الكوفة فتقول: يا عليّ! إركب إليهم. ولا أقدر أن أركب إليهم، ولا أسمع عذرا، ويقدم ركب آخرون من البصرة فتقول: يا عليّ! إركب إليهم؛ فإن لم أفعل رأيتني قطعت رحمك، واستخففت بحقك.

قال: فخرج عثمان فخطب الخطبة الّتي نزع فيها، وأعطى من نفسه التوبة، فقام فحمد اللّه، وأثنى عليه بما هو أهله ثمّ قال: أمّا بعد، أيُّها الناس! فواللّه ما عاب من عاب منكم شيئا أجهله وما جئت شيئا إلاّ وأنا أعرفه، ولكنّي منّتني نفسي وكذبتني وضلّ عنّي رشدي، ولقد سمعتُ رسول اللّه (ص) يقول: من زلَّ فليتب، ومن أخطأ فليتب، ولا يتمادى في الهلكة. إن تمادى في الجور كان أبعد من الطريق وأنا أوّل من اتّعظ. أستغفر اللّه ممّا فعلتُ وأتوب إليه فمثلي نزع وتاب، فإذا نزلت فليأتني أشرافكم فليروني رأيهم، فواللّه لئن ردّني الحقّ عبدا لاستنّ بسنّة العبد، ولاذلّنّ ذلّ العبد، ولاكوننّ كالمرقوق؛ إن ملك صبر، وإن عتق شكر، وما عن اللّه مذهب إلاّ إليه، فلا يعجزنّ عنّي خياركم أن يدنوا إلىٍّّ، فان أبت يميني لتتابعنّ شمالي.

قال: فرقّ الناس له يومئذ وبكى من بكى منهم، وقام إليه سعيد بن زيد، فقال: يا أمير المؤمنين! ليس بواصل لك من ليس معك اللّه اللّه في نفسك، فأتمم على ما قلت، فلما نزل عثمان وجد في منزله مروان وسعيدا ونفرا من بني أُميّة، ولم يكونوا شهدوا الخطبة فلمّا جلس قال مروان: يا أمير المؤمنين! أتكلّم أم أصمت؟

فقالت نائلة بنت الفرافصة إمرأة عثمان الكلبية: لا بل اصمت فإنّهم واللّه قاتلوه ومؤثِّموه. إنّه قد قال مقالة لا ينبغي له أن ينزع عنها. فأقبل عليها مروان وقال:

ما أنت وذاك فواللّه لقد مات أبوك وما يحسن يتوضّأ، فقالت له: مهلا يا مروان عن ذكر الاباء؛ تخبر عن أبي وهو غائب تكذب عليه، إنّ أباك لايستطيع أن يدفع عنه، أما واللّه لولا أنّه عمّه وأنّه يناله غمّه لاخبرتك عنه ما لن أكذب عليه. قال:

فأعرض عنها مروان ثمّ قال: يا أمير المؤمنين! أتكلّم أم أصمت؟ قال: بل تكلّم. فقال مروان: بأبي أنت وأُمّي واللّه لوددت أن مقالتك هذه كانت وأنت ممتنع منيع فكنت أوّل من رضي بها وأعان عليها ولكنّك قلت ما قلت حين بلغ الحزام الطبيين(179)، وخلّف السيل الزبى(180)، وحين أعطى الخطة الذليلة الذليل واللّه لاقامة على خطيئة تستغفر اللّه منها أجمل من توبة تخوّف عليها وإنّك إن شئت تقربت بالتوبة ولم تقرر بالخطيئة، وقد اجتمع عليك بالباب مثل الجبال من الناس، فقال عثمان: فاخرج إليهم فكلّمهم فإنّي أستحيي أن أُكلّمهم قال: فخرج مروان إلى الباب والناس يركب بعضهم بعضا، فقال: ما شأنكم قد اجتمعتم! كأنّكم قد جئتم للنهب؟! شاهت الوجوه! كلّ إنسان آخذ بإذن صاحبه إلاّ من أُرِيدَ، جئتم تريدون أن تنزعوا ملكنا من أيدينا!؟ أُخرجوا عنّا. أما واللّه لئن رمتمونا ليمرّن عليكم منّا أمر لا يسرّكم ولا تحمدوا غِبَّ رأيكم، إرجعوا إلى منازلكم فإنّا واللّه ما نحن مغلوبين على ما في أيدينا. قال: فرجع الناس وخرج بعضهم حتى أتى عليا فأخبره الخبر فجاء علي (ع) مغضبا حتّى دخل على عثمان، فقال:

أمّا رضيت من مروان ولا رضي منك إلاّ بتحرُّفك عن دينك وعن عقلك مثل جمل الظعينة يقاد حيث يسار به! واللّه ما مروان بذي رأي في دينه ولا في نفسه، وأيم اللّه إني لاراه سيوردك ثمّ لا يصدرك، وما أنا بعائد بعد مقامي هذا لمعاتبتك، أذهبت شرفك وغلبت على أمرك.

فلمّا خرج عليُّ دخلت عليه نائلة بنت الفرافصة إمرأته، فقالت: أتكلّم أم أسكت؟ فقال: تكلّمي. فقالت: قد سمعت قول عليّ لك، وإنّه ليس يعاودك وقد أطعت مروان يقودك حيث شاء. قال: فما أصنع؟ قالت: تتّقي اللّه وحده لا شريك له وتتبع سنّة صاحبيك من قبلك؛ فانّك متى أطعت مروان قتلك، ومروان ليس له عند الناس قدر ولا هيبة ولا محبّة، وإنّما تركك الناس لمكان مروان، فارسل إلى عليّ فاستصحله فإنّ له قرابة منك وهو لا يعصى. قال فأرسل عثمان إلى عليّ فأبى أن يأتيه، وقال: قد أعلمته أنّي لست بعائد. فبلغ مروان مقالة نائلة فيه فجاء إلى عثمان فجلس بين يديه فقال: أتكلّم أو أسكت؟ فقال: تكلّم. فقال: إن بنت الفرافصة. فقال عثمان لاتذكرنّها بحرف فأسوء لك وجهك فهي واللّه أنصح لي منك. فكفَّ مروان.

وأخرج الطبري(181) بسنده إلى عبدالرّحمن بن الاسود بن عبد يغوث يذكر مروان بن الحكم قال:

قبّح اللّه مروان! خرج عثمان إلى الناس فأعطاهم الرضا وبكى على المنبر وبكى الناس حتى نظرت إلى لحية عثمان مخضلّة من الدموع وهو يقول:

اللّهمّ إنِّي أتوب إليك، اللّهمّ إنِّي أتوب إليك، اللّهمّ إنِّي أتوب إليك. واللّه لئن ردّني الحقّ إلى أن أكون عبدا قِنّا لارضين به، إذا دخلت منزلي فادخلوا عليَّ، فواللّه لا أحتجب منكم، ولاُعطينّكم، ولازيدنّكم على الرضا، ولاُنحين مروان وذويه.

قال: فلمّا دخل أمر بالباب ففتح ودخل بيته ودخل عليه مروان، فلم يزل يفتله في الذروة والغارب حتّى فتله عن رأيه، وأزاله عمّا كان يريد. فلقد مكث عثمان ثلاثة أيّام ما خرج استحياء من الناس، وخرج مروان إلى الناس فقال: شاهت الوجوه إلاّمن اُرِيدَ، إرجعوا إلى منازلكم فإن يكن لامير المؤمنين حاجة بأحد منكم يرسل إليه وإلاّ قرّ في بيته، قال عبد الرحمن فجئت إلى عليّ فأجده بين القبر والمنبر فأجد عنده عمار بن ياسر ومحمّد بن أبي بكر(182) وهما يقولان: صنع مروان بالناس وصنع قال: فأقبل عليّ عليُّ.

فقال: أحضرت خطبة عثمان؟ قلت: نعم.

قال: أفحضرت مقالة مروان للناس؟ قلت: نعم.

قال عليّ: عياذ اللّه يا للمسلمين، إنِّي إنْ قعدت في بيتي قال لي: تركتني وقرابتي وحقّي، وإنِّي إن تكلّمت فجاء ما يريد يلعب به مروان فصار سَيِّقةً له يسوقه حيث شاء بعد كبر السنّ وصحبة رسول اللّه (ص).

قال عبدالرّحمن بن الاسود: فلم يَزُل حتى جاء رسول عثمان إئتني، فقال عليُّ بصوت مرتفع عال مغضب:

قل له: ما أنا بداخل عليك ولا عائد.

قال: فانصرف الرسول، فلقيت عثمان بعد ذلك بليلتين جائيا فسألت ((ناتلا)) غلامه: من أين جاء أمير المؤمنين؟ فقال: كان عند عليّ، فقال عبد الرّحمن بن الاسود: فغدوت فجلست مع عليّ (ع) فقال لي: جاءني عثمان بارحة فجعل يقول: إنّي غير عائد وإنّي فاعل، قال: فقلت له: بعدما تكلّمت به على منبر رسول اللّه (ص) وأعطيت من نفسك، ثمّ دخلت بيتك، وخرج مروان إلى الناس فشتمهم على بابك ويؤذيهم؟ قال: فرجع وهو يقول: قطعت رحمي وخذلتني وجرّأت الناس عليّ، فقلت: واللّه إنِّي لاذبّ الناس عنك، ولكنّي كلّما جئتك بهنة أظنّها لك رضا جاء بأُخرى فسمعت قول مروان عليَّ واستَدْخَلتَ مروان. قال: ثمّ انصرف إلى بيته فلم أزل أرى عليّا منكّبا عنه لا يفعل ما كان يفعل... الحديث.

أخرج الطبري(183) بسنده إلى عكرمة مولى ابن عباس عن ابن عباس قال: لما حصر عثمان الحصر الاخر قال عكرمة: فقلت لابن عبّاس: أَوَكانا حصرين؟ فقال ابن عباس: نعم، الحصر الاوّل حصر اثنتي عشرة وقدم المصريون فلقيهم عليّ بذي خشب فردّهم عنه، وقد كان واللّه عليّ له صاحب صدق حتى أوغر نفس عليّ عليه، جعل مروان وسعيد وذووهما يحملونه على عليّ فيتحمّل ويقولون: لو شاء ما كلّمك أحدٌ، وذلك أنّ عليا كان يكلّمه وينصحه، ويغلظ عليه في المنطق في مروان وذويه، فيقولون لعثمان هكذا يستقبلك وأنت إمامه وسلفه وابن عمّه وابن عمّته، فما ظنك بما غاب عنك منه، فلم يزالوا بعليّ حتّى أجمع ألاّ يقوم دونه، فدخلت عليه اليومخرجت فيه إلى مكة فذكرت له أنّ عثمان دعاني إلى الخروج، فقال لي: ما يريد عثمان أن ينصحه أحد؛ اتّخذ بطانة أهل غش ليس منهم أحد إلاّ قد تسبّب بطائفة من الارض يأكل خراجها ويستذلّ أهلها. فقلت له: إنّ رحما وحقّا فإن رأيت أن تقوم دونه فعلت، فإنك لا تُعذر إلاّ بذلك، قال: قال ابن عباس: فاللّه يعلم أنّي رأيت فيه الانكسار والرقّة لعثمان، ثمّ إنّي لاراه يؤتى إليه عظيم... الحديث.

وأخرج(184) في حديث آخر له: أن عثمان صعد يوم الجمعة المنبر، فحمد اللّه وأثنى عليه، فقام رجل فقال: أقم كتاب اللّه، فقال عثمان: إجلس فجلس حتّى قام ثلاثا، فأمر به عثمان فجلس، فتحاثّوا بالحصباء حتى ما ترى السماء وسقط عن المنبر وحمل فأُدخل داره مغشيا عليه فخرج رجل من حجّاب عثمان ومعه مصحف في يده وهو ينادي: ((إنّ الّذين فارقوا(185) دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء إنّما أمرهم إلى اللّه)).

ودخل عليّ بن أبي طالب على عثمان (رض) وهو مغشيُّ عليه وبنو أُميّة حوله، فقال: ما لك يا أمير المؤمنين؟ فأقبلت بنو أُميّة بمنطق واحد فقالوا: يا عليّ! أهلكتنا وصنعت هذا الصنيع بأمير المؤمنين أما واللّه لئن بلغت الّذي تريد لنمرَّن عليك الدنيا. فقام عليُّ مغضبا.

وأخرج في حديث آخر(186) وقال: كتب أهل المدينة إلى عثمان يدعونه إلى التوبة، ويحتجّون ويقسمون له باللّه لا يمسكون عنه أبدا حتى يقتلوه أو يعطيهم ما يلزمه من حقّ اللّه، فلمّا خاف القتل شاور نصحاءه وأهل بيته فقال لهم: قد صنع القوم ما قد رأيتم فما المخرج؟ فأشاروا عليه أن يرسل إلى عليّ بن أبي طالب فيطلب إليه أن يردّهم عنه ويعطيهم ما يرضيهم ليطاولهم حتى يأتيه امداده.

فقال: إنّ القوم لن يقبلوا التعليل وهم محمّلي عهدا وقد كان منّي في قدمتهم الاُولى ما كان، فمتى أُعطهم ذلك يسألوني الوفاء به.

فقال مروان بن الحكم: يا أمير المؤمنين! مقاربتهم حتّى تقوى أمثل من مكاثرتهم على القرب، فأعطهم ما سألوك، وطاولهم ما طاولوك فإنّما هم بغوا عليك فلا عهد لهم، فأرسل إلى عليّ فدعاه فلمّا جاءه قال:

يا أبا حسن! إنّه قد كان من الناس ما قد رأيت وكان منّي ما قد علمت، ولست آمنهم على قتلي، فارددهم عنّي، فإنّ لهم اللّه عزّ وجلّ أن أعتبهم من كل ما يكرهون، وأن أُعطيهم من نفسي ومن غيري وإن كان في ذلك سفك دمي. فقال له عليّ: الناس إلى عدلك أحوج منهم إلى قتلك، وإنّي لارى قوما لا يرضون إلاّبالرضا وقد كنتَ أعطيتهم في قدمتهم الاُولى عهدا من اللّه لترجعنّ عن جميع ما نقموا، فرددتهم عنك، ثمّ لم تف لهم بشيء من ذلك، فلا تَغُرَّني هذه المرّة من شيء، فإنّي معطيهم عليك الحقَّ. قال: نعم، فأعطهم فواللّه لافينّ لهم.

فخرج عليُّ إلى الناس فقال: أيُّها الناس! إنّكم إنّما طلبتم الحقّ فقد أُعطيتموه إنّ عثمان زعم أنّه منصفكم من نفسه ومن غيره، وراجع عن جميع ما تكرهون، فاقبلوا منه ووكّدوا عليه.

قال الناس: قد قبلنا. فاستوثق منه لنا فإنّا واللّه لانرضى بقول دون فعل.

فقال لهم علي: ذلك لكم، ثمّ دخل عليه فأخبره الخبر.

فقال عثمان: إضرب بيني وبينهم أجلا يكون لي فيه مهلة فإنّي لا أقدر على ردّ ما كرهوا في يوم واحد.

قال عليّ: ما حضر بالمدينة فلا أجل فيه، وما غاب فأجله وصول أمرك. قال: نعم، ولكن أجّلني في ما بالمدينة ثلاثة أيّام.

قال عليّ: نعم. فخرج إلى الناس فأخبرهم بذلك، وكتب بينهم وبين عثمان كتابا أجّله فيه ثلاثا على أن يردَّ كلَّ مظلمة، ويعزل كل عامل كرهوه، ثمّ أخذ عليه في الكتاب أعظم ما أخذ اللّه على أحد من خلقه من عهد وميثاق، وأشهد عليه ناسا من وجوه المهاجرين والانصار، فكفّ المسلمون عنه ورجعوا إلى أن يفي لهم بما أعطاهم من نفسه، فجعل يتأهّب للقتال ويستعدّ بالسلاح، وقد كان اتّخذ جندا عظيما من رقيق الخمس، فلمّا مضت الايّام الثلاثة وهو على حاله لم يغيّر شيئا ممّا كرهوا، ولم يعزل عاملا، ثار به الناس، وخرج عمرو بن حزم الانصاري حتّى أتى المصريين وهم بذي خشب فأخبرهم الخبر وسار معهم حتّى قدموا المدينة فأرسلوا إلى عثمان:

ألم نفارقك على أنّك تائب من أحداثك، وراجع عمّا كرهنا منك وأعطيتنا على ذلك عهد اللّه وميثاقه؟

قال: بلى أنا على ذلك.

قالو: فما هذا الكتاب الّذي وجدنا مع رسولك وكتبت به إلى عاملك؟!

قال: ما فعلت ولا لي علم بما تقولون!

قالوا: بريدك على جملك، وكتاب كاتبك عليه خاتمك!

قال: أمّا الجمل فمسروق، وقد يشبه الخطّ الخطّ، وأمّا الخاتم فقد انتقش عليه.

قالوا: فإنّا لا نعجل عليك وإن كنّا قد اتّهمناك؛ اعزل عنّا عمّالك الفسّاق، واستعمل علينا من لا يتهم على دمائنا وأموالنا، واردد علينا مظالمنا.

قال عثمان: ما أراني إذا في شيء إن كنت أستعمل من هويتم وأعزل من كرهتم. الامر إذا أمركم.

قالوا: واللّه لتفعلنَّ، أو لتعزلنَّ، أو لتقتلنَّ. فانظر لنفسك أو دع، فأبى عليهم وقال: لم أكن لاخلع سربالا سربلني اللّه.

وقصة عثور المصريين على الكتاب في ما أخرجه البلاذري وغيره(187) واللفظ للبلاذري عن أبي مخنف قال: لمّا شخص المصريون بعد الكتابكتبه عثمان فصاروا بأيلة(188) أو بمنزل قبلها رأوا راكبا خلفهم يريد مصر فقالوا له: من أنت؟ فقال: رسول

أمير المؤمنين إلى عبداللّه بن سعد، وأنا غلام أمير المؤمنين وكان أسود. فقال بعضهم لبعض: لو أنزلناه وفتَّشناهُ ألاّ يكون صاحبه قد كتب فينا بشيء، ففعلوا فلم يجدوا معه شيئا، فقال بعضهم لبعض: خلّوا سبيله، فقال كنانة بن بشر: أمّا واللّه دون أن أنظر

في إداوته فلا. فقالوا: سبحان اللّه أيكون كتاب في ماء؟ فقال: إنّ الناس حيلا. ثمّ حلّ الاداوة فإذا فيها قارورة مختومة ـ أو قال مضمومة ـ في جوف القارورة كتاب في أُنبوب من رصاص فأخرجه فقرئ فإذا فيه:

أمّا بعد، فإذا قدم عليك عمرو بن بديل فاضرب عنقه، واقطع يدي ابن عديس، وكنانة، وعروة، ثمّ دعهم يتشحّطون في دمائهم حتّى يموتوا. ثمّ أوثقهم على جذوع النخل.

فيقال: إنّ مروان كتب الكتاب بغير علم عثمان، فلمّا عرفوا ما في الكتاب، قالوا: عثمان محلُّ، ثمّ رجعوا عودهم على بدئهم حتّى دخلوا المدينة فلقوا عليا بالكتاب، وكان خاتمه من رصاص، فدخل به عليُّ على عثمان فحلف باللّه ما هو كتابه ولا يعرفه، وقال: أما الخط فخط كاتبي وأمّا الخاتم فعلى خاتمي، قال علي: فمن تتّهم؟ قال: أتّهمك وأتّهم كاتبي. فخرج عليُّ مغضبا وهو يقول: بل هو أمرك.

قال أبو مخنف: وكان خاتم عثمان بدءا عند حمران بن أبان، ثمّ أخذه مروان حين شخص حمران إلى البصرة فكان معه.

وفي رواية أُخرى: ثمّ وجدوا كتابا إلى عامله على مصر أن يضرب أعناق رؤساء المصريين، فرجعوا ودفعوا الكتاب إلى عليّ فأتاه به فحلف له أنّه لم يكتبه ولم يعلم به.

فقال له علي: فمن تتّهم فيه؟

فقال: أتّهم كاتبي وأتّهمك يا علي! لانّك مطاع عند القوم ولم تردّهم عنّي.

وجاء المصريون إلى دار عثمان فأحدقوا بها، وقالوا لعثمان وقد أشرف عليهم:

يا عثمان! أهذا كتابك؟ فجحد وحلف.

فقالوا: هذا شرُّ، يكتب عنك بما لاتعلمه، ما مثلك يلي أُمور المسلمين، فاختلع من الخلافة.

فقال: ما كنت لانزع قميصا قمّصنيه اللّه.

وقالت بنو أُميّة: يا عليّ! أفسدت علينا أمرنا ودسست وألّبت.

فقال: يا سفهاء! إنّكم لتعلمون أنّه لا ناقة لي في هذا ولا جمل، وإنّي رددت أهل مصر عن عثمان ثمّ أصلحت أمره مرّة بعد أُخرى، فما حيلتي؟ وانصرف وهو يقول: اللّهمّ إنِّي بريء ممّا يقولون ومن دمه إن حدث به حدث.

قال: وكتب عثمان حين حصروه كتابا قرأه ابن الزُّبير على الناس ـ وقيل بل قرأه الزُّبير والاوّل أصحّ ـ يقول فيه:

واللّه ما كتب الكتاب، ولا أمرت به، ولا علمت بقصّته، وأنتم معتبون من كلّ ما ساءكم، فأمِّروا على مصركم من أحببتم وهذه مفاتيح بيت مالكم فادفعوها إلى من شئتم.

فقالوا: قد اتّهمناك بالكتاب فاعتزلنا.

وفي رواية أُخرى للطبري(189): حتّى إذا كانوا بالبويب وجدوا غلاما لعثمان معه كتاب إلى عبداللّه بن سعد فكرُّوا وانتهوا إلى المدينة وقد تخلّف بها من الناس الاشتر وحكيم بن جبلة فأتوا بالكتاب فأنكر عثمان أن يكون كتبه وقال: هذا مفتعل.

قالوا: فالكتاب كتاب كاتبك. قال: أجل، ولكنّه كتبه بغير أمري.

قالوا: فإنّ الرسول الّذي وجدنا معه الكتاب غلامك. قال: أجل ولكنّه خرج بغير إذني.

قالوا: فالجمل جملك. قال: أجل ولكنّه أُخذ بغير علمي.

قالوا: ما أنت إلاّ صادق أو كاذب. فإن كنت كاذبا فقد استحققت الخلع لما أمرت به من سفك دمائنا بغير حقّها، وإن كنت صادقا فقد استحققت أن تخلع لضعفك وغفلتك وخبث بطانتك، لانّه لاينبغي لنا أن نترك على رقابنا من يقتطع مثل هذا الامر دونه لضعفه وغفلته، وقالوا له: إنّك ضربت رجالا من أصحاب النبيّ (ص) وغيرهم حين يعظونك ويأمرونك بمراجعة الحقّ عندما يستنكرون من أعمالك فأقد من نفسك من ضربته وأنت له ظالم.

فقال: الامام يخطئ ويصيب فلا أُقيد من نفسي لانّي لو أقدت كلّ من أصبته بخطأ آتي على نفسي.

قالوا: إنّك قد أحدثت أحداثا عظاما فاستحققت بها الخلع، فإذا كلّمت فيها أعطيت التوبة، ثمّ عدت إليها وإلى مثلها، ثمّ قدمنا عليك فأعطيتنا التوبة والرجوع إلى الحق ولامنا فيك محمّد بن مسلمة وضمن لنا ما حدث من أمر فأحضرته فتبرّأ منك وقال: لا أدخل في أمره، فرجعنا أوّل مرّة لنقطع حجّتك ونبلغ أقصى الاعذار إليك نستظهر باللّه عزّ وجلّ عليك فلحقنا كتاب منك إلى عاملك علينا تأمره فينا بالقتل والقطع والصلب وزعمت أنّه كتب بغير علمك وهو مع غلامك وعلى جملك وبخطِّ كاتبك وعليه خاتمك فقد وقعت عليك بذلك التهمة القبيحة مع ما بلونا منك قبل ذلك من الجور في الحكم والاثرة في القسم، والعقوبة للامر بالتبسّط من الناس، والاظهار للتوبة ثمّ الرجوع إلى الخطيئة، ولقد رجعنا عنك وما كان لنا أن نرجع حتّى نخلعك ونستبدل بك من أصحاب رسول اللّه (ص) من لم يحدث مثل ما جرّبنا منك، ولم يقع عليه من التهمة ما وقع عليك فاردد خلافتنا واعتزل أمرنا، فإنّ ذلك أسلم لنا منك، وأسلم لك منّا.

فقال عثمان: فرغتم من جميع ما تريدون؟ قالوا: نعم.

قال ـ بعد الحمد والثناء ـ : أمّا بعد، فانّكم لم تعدلوا في المنطق ولم تنصفوا في القضاء، أمّا قولكم: تخلع نفسك؛ فلا أنزع قميصا قمّصنيه اللّه عزّ وجلّ وأكرمني به وخصّني به على غيري ولكنّي أتوب وأنزع ولا أعود لشيء عابه المسلمون، فإنّي واللّه الفقير إلى اللّه الخائف منه.

قالوا: إنّ هذا لو كان أوّل حدث أحدثته ثمّ تبت منه ولم تقم عليه لكان علينا أن نقبل منك، وأن ننصرف عنك، ولكنّه قد كان منك من الاحداث قبل هذا ما قد علمت ولقد انصرفنا عنك في المرّة الاُولى وما نخشى أن تكتب فينا ولا من اعتللت به بما وجدنا في كتابك مع غلامك، وكيف نقبل توبتك، وقد بلونا منك أنّك لا تعطي من نفسك التوبة من ذنب إلاّ عدت إليه؟ فلسنا منصرفين حتّى نعزلك ونستبدل بك، فإن حال من معك من قومك وذوي رحمك وأهل الانقطاع دونك بقتال قاتلناهم حتّى نخلص إليك فنقتلك أو تلحق أرواحنا باللّه.

فقال عثمان: أمّا أن أتبرأ من الامارة فإن تصلبوني أحبّ إليّ من أتبرأ من أمر اللّه عزّ وجلّ وخلافته، وأمّا قولكم: تقاتلون من قاتل دوني؛ فإنّي لا آمر أحدا بقتالكم فمن قاتل دوني فإنّما يقاتل بغير أمري، ولعمري لو كنت أُريد قتالكم لقد كتبت إلى الاجناد، فقادوا الجنود، وبعثوا الرجال أو لحقت ببعض أطرافي بمصر أو العراق فاللّه اللّه في أنفسكم؛ أبقوا عليها إن لم تبقوا عليّ؛ فإنّكم مجتلبون بهذا الامر إن قتلتموني دما. قال: ثمّ انصرفوا عنه وآذنوه بالحرب وأرسل إلى محمّد بن مسلمة فكلّمه أن يردّهم فقال: واللّه لا أكذب اللّه في سنة مرّتين. وفي رواية أُخرى للبلاذري(190):

إنّ المصرين لمّا قدموا فشكوا عبداللّه بن سعد بن أبي سرح، سألوا عثمان أن يولي عليهم محمّد بن أبي بكر. فكتب عهده وولاّه ووجّه معهم عدَّة من المهاجرين والانصار ينظرون في ما بينهم وبين ابن أبي سرح، فشخص محمّد ابن أبي بكر وشخصوا جميعا؛ فلمّا كانوا على مسيرة ثلاث من المدينة إذا هم بغلام أسود على بعير وهو يخبط البعير خبطا كأنّه رجل يَطلبُ أو يُطلبُ.

فقال له أصحاب محمّد بن أبي بكر: ما قصّتك وما شأنك؟ كأنّك هارب أو طالب.

فقال لهم مرّة: أنا غلام أمير المؤمنين، وقال مرّة أُخرى: أنا غلام مروان، وجّهني إلى عامل مصر برسالة.

قالوا: فمعك كتاب؟

قال: لا. ففتّشوه، فلم يجدوا معه شيئا، وكانت معه إداوة قد يبست فيها شيء يتقلقل فحرّكوه ليخرج فلم يخرج فشقّوا الاداوة فإذا فيها كتاب من عثمان إلى ابن أبي سرح.

فجمع محمّد من كان معه من المهاجرين والانصار وغيرهم ثمّ فكّ الكتاب بمحضر منهم فإذا فيه:

إذا أتاك محمّد بن أبي بكر وفلان وفلان، فاحتل لقتلهم وأبطل كتاب محمّد وقرَّ على عملك حتّى يأتيك رأيي، واحبس من يجيء إليّ متظلّما منك إن شاء اللّه.

فلمّا قرأوا الكتاب فزعوا وغضبوا ورجعوا إلى المدينة وختم محمّد بن أبي بكر الكتاب بخواتيم نفر مِمَّنْ كان معه، ودفعه إلى رجل منهم وقدموا المدينة، فجمعوا عليا وطلحة والزبير وسعدا ومن كان من أصحاب النبي (ص) ثمّ فَكُّوا الكتاب بمحضر منهم، وأخبروهم بقصة الغلام وأقرأوهم الكتاب، فلم يبق أحد من أهل المدينة إلاّ حنق على عثمان، وزاد ذلك من كان غَضِبَ لابن مسعود وعمّار بن ياسر وأبي ذر حنقا وغيظا، وقام أصحاب النبيّ (ص) بمنازلهم ما منهم أحد إلاّ وهو مغتمّ لما في الكتاب.

وحاصر الناس عثمان، وأجلب عليه محمّد بن أبي بكر ببني تيم وغيرهم، وأعانه على ذلك طلحة بن عبيد اللّه، وكانت عائشة تقرصه كثيرا... الحديث.

وفي البدء والتاريخ(191): كان أشدّ الناس على عثمان طلحة والزبير ومحمّد بن أبي بكر وعائشة، وخذله المهاجرون والانصار، وتكلّمت عائشة في أمره، وأطلعت شعرة من شعرات رسول اللّه (ص) ونعله وثيابه وقالت: ما أسرع ما نسيتم سنّة نبيّكم، فقال عثمان في آل أبي قحافة ما قال وغضب حتّى ما كان يدري ما يقول، إنتهى.

كان أشدّ الناس على عثمان رؤوس آل تيم الثلاثة: أُمّ المؤمنين عائشة وأخوها محمّد بن أبي بكر وابن عمها طلحة بن عبيداللّه، وذكروا من مواقف أُمّ المؤمنين مع عثمان شيئا كثيرا. وقد مرّ بعضها في ذكر موقف أُمّ المؤمنين عائشة.


169 أنساب الاشراف 5 / 59.

170 الطبري 5 / 114 و115، وط. أوربا 1 / 2984.

171 أنساب الاشراف 5 / 59.

172 الطبري 5 / 109، وط. أوربا 1 / 2968.

173 الطبري 5 / 111 ـ 112، وط. أوربا 1 / 2986 ـ 2987؛ والبلاذري 5 / 64 ـ 65؛ وابن الاثير 3 / 68؛ وشرح النهج 1 / 163 ـ 164؛ وابن كثير 7 / 172؛ وابن أعثم في ذكره ما نقم على عثمان؛ وابن خلدون 2 / 396 ـ 397.

174 السقيا: من أسافل أودية تهامة.

175 جلح على الشيء: أقدم عليه إقداما شديدا. وجلح في الامر: صمم وركب رأسه. مبلجة: واضحة، بينة.

176 أنساب الاشراف 5 / 63 ـ 64.

177 يغلب على الظن أن أُمّ المؤمنين عائشة أُخت محمّد، وطلحة ابن عمّها وغيرهما من بني تيم لم يكونوا بعيدين عن هذه الاشارة.

178 عدنا إلى الرواية السابقة الّتي ذكرنا مصادرها في هامش 493.

179 أصل المثل: جاوز الحزام الطبيين. والطّبي: حلمة الضرع، وهو كناية عن المبالغة في تجاوز حدّ الشرّ والاذى.

180 أصل المثل: بلغ السيل الزّبى، وهي جمع زبية وهي الرابية الّتي لايعلوها الماء.

181 الطبري 5 / 112، وط. أوربا 1 / 2977 ـ 2979؛ وراجع ابن الاثير 3 / 96، وقد أخرج البلاذري قسما منه في الانساب 5 / 65.

182 يظهر من هذه الرواية انّ هذه المحاورة في المسجد وقعت بعد رجوع المصريين.

183 الطبري 5 / 139، وط. أوربا 1 / 3038 ـ 3039.

184 الطبري 5 / 113، وط. أوربا 1 / 2979 ـ 2990.

185 كذا وردت الكلمة في الطبري 5 / 113، أمّا في القرآن الكريم فقد جاءت: فرَّقوا.

186 الطبري 5 / 116 ـ 117، وط. أوربا 1 / 2987 ـ 2989؛ وابن الاثير 3 / 71 ـ 72؛ وابن أبي الحديد 1 / 166.

187 أنساب الاشراف 5 / 26 ـ 69 و 95؛ والطبري 5 / 119 ـ 120، وط. أوربا 1/ 2984 ـ 2997؛ والرياض النضرة 2 / 123 ـ 125؛ وراجع المعارف لابن قتيبة ص 84؛ والعقد الفريد 2 / 263؛ وابن الاثير 3 / 70 ـ 71؛ وابن أبي الحديد 1 / 165 ـ 166؛ وابن كثير 7 / 173 ـ 189؛ وتاريخ الخميس 2 / 259.

188 آخر الحجاز وأوّل الشام.

189 الطبري 5 / 120 ـ 121، وط. أوربا 1 / 2995 ـ 2997.

190 أنساب الاشراف 5 / 67 ـ 68.

191 أنساب الاشراف 5 / 205.