محنة المسلمين وموقف الامام عليّ منها:

وكان نتيجة شكوى أهل مصر ما ذكره البلاذري(166) حيث قال:

لمّا ولي عثمان كره ولايته نفر من أصحاب رسول اللّه (ص) لان عثمان كان يحبّ قومه، فولي الناس اثنتي عشرة حجة، وكان كثيرا ما يولّي من بني أُميّه من لم يكن له مع النبيّ (ص) صحبةٌ فكان يجيء من أُمرائه ما ينكره أصحاب محمّد (ص)، وكان يستعتب فيهم فلا يعزلهم، فلمّا كان في الست الاواخر استأثر ببني عمّه فولاّهم، وولَّى عبداللّه بن سعد بن أبي سرح مصر، فمكث عليها سنين، فجاء أهل مصر يشكونه ويتظلّمون منه... فكتب إليه كتابا يتهدَّده فيه فأبى أن ينزع عمّا نهاه عنه وضرب بعض من شكاه إلى عثمان حتى قتله.

ولمّا ضاق الامر بالمسلمين كتب من كان من أصحاب النبيّ (ص) بالمدينة إلى إخوانهم في الامصار يدعونهم إلى غزو عثمان في ما رواه الطبري وغيره(167) واللفظ للطبري، قال:

لمّا رأى الناس ما صنع عثمان كتب من بالمدينة من أصحاب النبي (ص) إلى من بالافاق منهم وكانوا قد تفرقوا في الثغور:

إنّكم إنّما خرجتم أن تجاهدوا في سبيل اللّه عزّ وجلّ تطلبون دين محمّد فإنّ دين محمّد قد أُفسِدَ من خلفكم وترك فهلُمُّوا، فأقيموا دين محمّد (ص).

وفي رواية ابن الاثير: فإنّ دين محمّد (ص) قد أفسده خليفتكم؛ وفي شرح ابن أبي الحديد: فاخلعوه؛ فأقبلوا من كلّ أُفق حتى قتلوه.

وروى البلاذري(168) وقال:

لمّا كانت سنة 34 كتب بعض أصحاب رسول اللّه (ص) إلى بعض يتشاكون سيرة عثمان وتغييره وتبديله وما الناس فيه من عمّاله، ويكثرون عليه، ويسأل بعضهم بعضا أن يقدموا المدينة إن كانوا يريدون الجهاد، ولم يكن أحد من أصحاب رسول اللّه (ص) يدفع عن عثمان ولا ينكر ما يقال فيه إلاّ زيد بن ثابت، وأبو أُسيد الساعدي، وكعب بن مالك بن أبي كعب من بني سلمة من الانصار، وحسّان بن ثابت؛ فاجتمع المهاجرون وغيرهم إلى عليّ فسألوه أن يكلّم عثمان ويعظه فأتاه فقال له:

إنّ الناس ورائي قد كلّموني في أمرك، واللّه ما أدري ما أقول لك، ما أُعرّفك شيئا تجهله، ولا أدلّك على أمر لا تعرفه، وإنّك لتعلم ما نعلم، وما سبقناك إلى شيء فنخبرك عنه، ولقد صحبت رسول اللّه (ص) وسمعت ورأيت مثل ما سمعنا ورأينا، وما ابن قحافة وابن الخطّاب بأولى بالحقّ منك؛ ولانت أقرب إلى رسول اللّه (ص) رحما، ولقد نلت من صهره ما لم ينالا، فاللّه اللّه في نفسك؛ فإنّك لاتبصِّر من عمي؛ ولا تعلّم من جهل.

فقال له عثمان: واللّه لو كنت مكاني ما عنّفتك، ولا أسلمتك، ولا عتبت عليك إن وصلت رحما وسددت خلّة وآويت ضائعا، ووَلَّيتُ من كان عمر يولّيه؛ نشدتك اللّه: ألم يولِّ عمر المغيرة بن شعبة وليس هناك...

قال: نعم.

قال: فلم تلومني إن وَلَّيتُ ابن عامر في رحمه وقر.

قال عليُّ: سأُخبرك. إنّ عمر بن الخطاب كان كلّما ولّى فإنّما يطأ على صماخه، إن بلغه حرف جلبه، ثمَّ بلغ به أقصى الغاية، وأنت لا تفعل ضعفت ورفقت على أقربائك.

قال عثمان: هم أقرباؤك أيضا.

فقال عليُّ: لعمري إنّ رحمه منّي لقريبة ولكنّ الفضل في غيرهم.

قال: أوَلَم يولّ عمر معاوية؟

فقال عليُّ: إنّ معاوية كان أشدّ خوفا وطاعة لعمر من يرفأ وهو الان يبتزّ الاُمور دونك ويقطعها بغير علمك ويقول للناس: هذا أمر عثمان، ويبلغك فلا تغيّر، ثمّ خرج، وخرج عثمان بعده، فصعد المنبر فقال:

أمّا بعد، فإنّ لكلّ شيء آفة، ولكلّ أمر عاهة، وإنّ آفة هذه الاُمّة وعاهة هذه النعمة عيّابون طعّانون يرونكم ما تحبّون، ويسرّون لكم ما تكرهون، مثل النعام يتّبعون أوّل ناعق... الحديث.

تراجم المذكورين في الخبر

أ ـ زيد بن ثابت ذكرنا ترجمته في بحث جمع القرآن.

ب ـ أبو أُسيد الساعدي مالك بن ربيعة بن البدن الانصاري الخزرجي شهد بدرا وما بعدها عُمِيَ قبل أن يقتل عثمان. اختلفوا في وفاته.

ج ـ كعب بن مالك الخزرجي وأُمّه ليلى بنت زيد من بني سلمة شهد المشاهد مع رسول اللّه (ص) خلا بدر وتبوك.

د ـ يرفأ: اسم غلام الخليفة عمر.

راجع تراجمهم في الاستيعاب وأُسد الغابة والاصابة، أمّا حسان فستأتي ترجمته إن شاء اللّه تعالى.


166 أنساب الاشراف للبلاذري 5 / 25 ـ 26.

167 الطبري 5 / 114 ـ 115، وط. أوربا 1 / 2983؛ وابن الاثير 5 / 70؛ وابن أبي الحديد 1 / 165. وإنّما ذكرنا كتب أصحاب النبيّ (ص) إلى أهل الامصار وموافاتهم بالموسم خلال بحثنا عن تأثير المحمّدين في مصر وتحريضهما إياهم على عثمان لصلة الحوادث بعد هذا بعضها ببعض.

168 أنساب الاشراف 5 / 60؛ وراجع تاريخ الطبري 5 / 96 ـ 97، وط. أوربا 1 / 2937ـ 2939؛ وابن الاثير 3 / 63؛ وابن أبي الحديد 1 / 303؛ وابن كثير 7 / 168؛ وأبي الفداء 1 / 168. والنص ما بين القوسين للطبري.