د ـ مصر وتولية عبداللّه بن سعد بن أبي سرح عليها:

كان عمرو بن العاص فاتح مصر عاملا عليها حتّى عزله الخليفة عثمان عن الخراج واستعمله على الصلاة، واستعمل عبداللّه بن سعد على الخراج ثمّ جمعهما لعبداللّه بن سعد(155).

روى البلاذري أنّ محمّد بن أبي حذيفة ومحمّد بن أبي بكر حين أكثر الناس في أمر عثمان قدما مصر وعليها عبداللّه بن سعد بن أبي سرح، ووافقا بمصر محمّد بن طلحة بن عبيد اللّه وهو مع عبداللّه بن سعد؛ وإنّ ابن أبي حذيفة شهد صلاة الصبح في صبيحة

الليلة الّتي قدم فيها، ففاتته الصلاة فجهر بالقراءة فسمع ابن أبي سرح قراءته فأمر إذا صلّى أن يؤتى به. فلمّا رآه قال: ما جاء بك إلى بلدي؟ قال: جئت غازيا، قال: ومن معك؟ قال: محمّد بن أبي بكر، فقال: واللّه ما جئتما إلاّ لتفسدا الناس، فأمر بهما فسجنا، فأرسلا إلى محمّد بن طلحة يسألانه أن يكلمه فيهما لئلاّ يمنعهما من الغزو، فأطلقهما ابن أبي سرح وغزا ابن أبي سرح أفريقية فأعدّ لهما سفينة مفردة لئلاّ يفسدا عليه الناس فمرض ابن أبي بكر فتخلّف، وتخلّف معه ابن أبي حذيفة، ثمّ انّهما خرجا في جماعة الناس فما رجعا من غزاتهما إلاّ وقد أوغرا صدور الناس على عثمان.

وقال في حديث آخر وكانت غزوة ذات الصواري في المحرّم سنة 34(156).

وفي تاريخ الطبري وأنساب الاشراف(157):

خرج محمّد بن أبي حذيفة ومحمّد بن أبي بكر عام خرج عبداللّه بن سعد، فأظهرا عيب عثمان وما غيَّر وما خالف به أبا بكر وعمر وأنّ دم عثمان حلال، ويقولان: استعمل عبداللّه بن سعد رجلا كان رسول اللّه (ص) أباح دمه، ونزل القرآن بكفره [حين قال: سأُنزل مثل ما أنزل اللّه](158) وأخرج رسول اللّه (ص) قوما وأدخلهم(159) ـ إلى قوله ـ فأفسدا أهل تلك الغزاة وعابا عثمان أشدّ العيب.

وقال: (ومحمّد بن أبي حذيفة يقول للرجل: أما واللّه لقد تركنا خلفنا الجهاد حقّا فيقول الرجل: وأيّ جهاد؟! فيقول: عثمان بن عفان فعل كذا وكذا حتّى أفسد الناس، فقدموا بلدهم وقد أفسدهم، وأظهروا من القول ما لم يكونوا ينطقون به).

وممّا ساعد المحمّدين في أمرهم تذمّر المصريين من سيرة ابن أبي سرح فيهم، وظلمه إيّاهم، وقد بلغ الامر به معهم أن يضرب بعض من شكاه إلى عثمان حتّى يتوفى، وقد أورد قصة قدوم المصريين على عثمان في شكواهم من ابن أبي سرح كلُّ من الطبري وابن الاثير في حديثهما عن شكوى المصريين من ابن أبي سرح، وقالا:

(وقد قدّموا في كلامهم ابن عديس فذكر ما صنع ابن سعد بمصر وذكر تحاملا منه على المسلمين وأهل الذمّة واستئثارا منه في غنائم المسلمين، فإذا قيل له في ذلك قال هذا كتاب أمير المؤمنين إليّ...)(160).

تراجم المذكورين في الخبر:

أ ـ عبداللّه بن سعد بن أبي سرح بن الحارث القرشي العامري. وهو أخو عثمان من الرضاعة، أرضعت أُمّه عثمان.

أسلم قبل الفتح وهاجر إلى المدينة وكتب الوحي لرسول اللّه ثمّ ارتد مشركا وصار إلى قريش بمكة، فقال لهم: إنِّي كنت أصرفُ محمّدا حيث أُريد؛ كان يملي عليَّ: ((عزيز حكيم)) فأقول: ((عليم حكيم))! فيقول: نعم، كلُّ صواب؛ فأنزل اللّه تعالى فيه:

(وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِبا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْء وَمَن قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللّهُ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلاَئِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُوْنِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ).

(الانعام / 93)

فلمّا كان يوم الفتح أهدر رسول اللّه دمه وأمر بقتله ولو وُجِدَ متعلِّقا بأستار الكعبة. ففرّ عبداللّه إلى عثمان فغيّبه حتى أتى به إلى رسول اللّه (ص) فاستأمنه له، فصمت رسول اللّه (ص) طويلا ثمّ قال: نعم، فلمّا انصرف عثمان قال لمن حوله: ما صمتُّ إلاّ ليقوم إليه بعضكم فيضرب عنقه، فقالوا: هلاّ أومأت إلينا، فقال: إنّ النبيّ لاينبغي أن يكون له خائنة الاعين.

ولاّه عثمان مصر سنة 25ه وعزل عنها عمرو بن العاص ففتح أفريقية فأعطاه عثمان خمس غنائم الغزوة الاُولى، وبقي أميرا على

مصر حتّى سنة 34 حيث ثار ابن أبي حذيفة في مصر فمضى إلى عسقلان فأقام بها حتّى قُتِلَ عثمان. وتوفي سنة 57 أو 59(161).

ب ـ محمّد بن أبي بكر عبداللّه بن أبي قحافة عثمان، وأُمّه أسماء بنت عميس الخثعميّة كانت تحت جعفر وتزوجها أبو بكر بعد وفاة جعفر بن أبي طالب فولدت له محمّدا في طريقهم إلى مكّة في حجة الوداع، ولمّا توفي أبو بكر تزوجها عليّ فنشأ محمّد في حجر عليّ وكان ربيبه، شهد مع عليّ الجمل وصفين، ثمّ ولاّه مصر فدخلها في الخامس عشر من شهر رمضان سنة 37 فجهّز معاوية عمرو بن العاص إلى مصر سنة 38 فتغلّب عليه وقتله معاوية ابن خديج صبرا وأدخلوا جثته في بطن حمار ميّت وأحرقوه(162).

ج ـ أبو القاسم محمّد بن أبي حذيفة بن عتبة بن ربيعة القرشي العبشمي، وأُمّه سهلة بنت سهيل بن عمرو العامرية، ولد بأرض الحبشة على عهد رسول اللّه (ص) واستشهد أبوه أبو حذيفة باليمامة فضمّ عثمان ابنه هذا إليه وربّاه. استأذن عثمان في أن يذهب إلى مصر للغزو فأذن له فأخذ هناك يؤلب الناس على عثمان ثمّ وثب على خليفة عبداللّه بن سعد بمصر وأخرجه منها وبايعه أهل مصر بالامارة، ولمّا استخلف عليّ أقره عليها فبقي عليها حتّى سار إليه معاوية عند مسيره إلى صفين، فخرج إليهم محمّد ومنعه من دخول الفسطاط ثمّ تصالحوا على أن يخرج محمّد بن أبي حذيفة ومن معه آمنين فخرج محمّد وثلاثون رجلا فغدر بهم معاوية وحبسه في سجن دمشق ثمّ قتله رشدين مولى معاوية! وكان محمّد ممّن أدركوا صحبة الرسول(163).

د ـ محمّد بن طلحة بن عبيداللّه، وأُمّه حمنة بنت جحش، كنيته أبو سليمان، ولد في عصر الرسول (ص)، وقتل يوم الجمل فمرّ عليه عليّ وقال: أبوه صرعه هذا المصرع ولولا أبوه وبرّه به ما خرج ذلك المخرج(164).

عود على بدء

قال ابن أعثم: جاء إلى المدينة وفد من أشراف مصر يشكون عاملهم عبداللّه بن أبي سرح، فدخلوا مسجد الرسول فرأوا فيها جماعة من أصحاب رسول اللّه (ص) من المهاجرين والانصار، فسلّموا عليهم، فسألتهم الصحابة عمّا أقدمهم من مصرهم، فقالوا: ظلم والينا، وفساده، فقال لهم عليُّ: لا تعجلوا في أمركم، واعرضوا على الامام شكواكم، فلعل عاملكم عمل برأيه فيكم.

إذهبوا إلى الخليفة واشرحوا له ما ساءكم من عاملكم، فإن أنكر عليه وعذله أصبتم بغيتكم، وإن لم يفعل وأقرّه على ما هو عليه؛ رأيتم أمركم، فدعا له المصريون وقالوا: أصبت القول فنرجو أن تحضر مجلسنا عنده، فقال: لا حاجة في ذلك فالامر يتمّ بحضوركم عنده، فقالوا: وإن كان الامر كذلك غير إنّا نرغب أن تحضر وتشهد، فقال عليُّ: يشهدكم من هو أقوى منّي وأعظم من جميع المخلوقين وأرحم على عباده.

فذهب أشراف مصر إلى دار عثمان واستأذنوا للدخول عليه، فلمّا أذن لهم ودخلوا عليه أكرمهم وأجلسهم إلى جنبه، ثمّ سألهم وقال: ما الّذي أقدمكم؟ وماذا دهاكم فقدمتم دونما رخصة منّي أو من عاملي؟!

فقالوا: جئنا نستنكر منك ما يصدر منك، ونؤاخذك بما يصدر من عاملك.

ثمّ ذكر ابن أعثم ما جرى بينهم من حجاج وأقوال(165).


155 الطبري 5 / 108، وط. أوربا 1 / 2266.

156 أنساب الاشراف 5 / 50.

157 الطبري 5 / 70 ـ 71، في ذكره غزوة ذات الصواري في سنة 31، وط. أوربا 1 / 2870 ـ 2871.

158 هذه الجملة في أنساب الاشراف 5 / 50.

159 يقصد بهم الحكم بن أبي العاص وولده.

160 الطبري 5 / 118، وط. أوربا 1 / 2994؛ وابن الاثير 3 / 59 ـ 70.

161 الاستيعاب 2 / 367 ـ 370؛ والاصابة 2 / 309 ـ 310 و 1 / 11 ـ 12؛ وأُسد الغابة 3 / 173 ـ 174؛ وأنساب الاشراف 5 / 49؛ والمستدرك 3 / 100؛ والمفسِّرون كالقرطبي وغيره في تفسيرهم الاية 93 من سورة الانعام؛ وابن أبي الحديد 1 / 68.

162 رواه المؤرّخون في ذكرهم حوادث سنة 30 و 38ه، وبترجمته في الاستيعاب وأُسد الغابة والاصابة.

163 راجع تاريخ الطبري وابن الاثير في حوادث سنة 30 ـ 36؛ وترجمته في الاستيعاب 3/ 321 ـ 322 الترجمة رقم 991؛ وأُسد الغابة 4 / 315؛ والاصابة 3 / 54.

164 راجع ترجمته في الطبقات 5 / 37 ـ 39.

165 فتوح ابن أعثم ص 46 ـ 47.