موقف عبدالرّحمن بن عوف:
روى البلاذري بسنده في أنساب الاشراف:
أ ـ قال: لما تُوفي أبوذر بالرَّبَذة تذاكر عليّ وعبدالرّحمن بن عوف فعل عثمان فقال عليّ: هذا عَمَلُك، فقال عبدالرّحمن: إذا شئت فخُذ سيفك وآخُذُ سيفي، إنّه قد خالف ما أعطاني.
ب ـ قال: ذُكر عثمان عند عبد الرحمن بن عوف في مرضه الّذي مات فيه فقال عبد الرحمن: عاجلوه قبل أن يتمادى في ملكه، فبلغ ذلك عثمان، فبعث إلى بئر كان يُسقى منها نَعَمُ عبد الرحمن بن عوف فمنعه إيّاها فقال عبدالرّحمن: اللّهمّ اجعل ماءها غَوْرا، فما وُجدت فيها قَطْرة.
ج ـ إنّ عبدالرّحمن بن عوف كان حلف ألا يكلم عثمان أبدا.
د ـ انّ عبدالرّحمن أوصى أن لايصلّي عليه عثمان، فصلّى عليه الزُّبير أو سعد بن أبي وقّاص، وتُوفّي سنة اثنتين وثلاثين(143).
موقف أُمّ المؤمنين عائشة من تلكم الاحداث:
قال البلاذري في أنساب الاشراف:
أنّه وصلت من أُمّ المؤمنين (كتب إلى البلاد تحرض المسلمين على الخروج عليه)(144).
وذكر اليعقوبي في تاريخه وقال:
كان عثمان يخطب إذْ دلّت عائشة قميص رسول اللّه ونادت ((يا معشر المسلمين! هذا جلباب رسول اللّه لم يبل وقد أبلى عثمان سنّته)) فقال عثمان: ((ربّ اصرف عنِّي كيدهنّ إنّ كيدهنّ عظيم))(145).
وقال ابن أعثم:
ولمّا رأت أُمّ المؤمنين اتّفاق الناس على قتل عثمان، قالت له:
أي عثمان! خصّصت بيت مال المسلمين لنفسك، وأطلقت أيدي بني أُميّة على أموال المسلمين، وولّيتهم البلاد، وتركت أُمّة محمّد في ضيق وعسر، قطع اللّه عنك بركات السماء وحرمك خيرات الارض، ولولا أنك تصلّي الخمس لنحروك كما تنحر الابل(146).
فقرأ عليها عثمان: (ضَرَبَ اللّهُ مَثَلا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَةَ نُوحٍ وَامْرأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنِا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللّهِ شَيْئا وَقِيلَ ادْخُلاَ النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ)(147)
انتهى.
إنّ هذه الكلمات القارصة من الخليفة في أُمّ المؤمنين عائشة ذات الطبع الحادّ والّتي لم تكن لتملك نفسها عند سورة الغضب، والكتاب الّذي عثر عليه أخوها محمّد في طريقه إلى مصر والّذي فيه أمر صريح بقتله وآخرين من رفقته ممّن أدركوا صحبة النبيّ وغيرهم من المسلمين؛ قد دفعت أُمّ المؤمنين ـ الّتي كانت تذهب نفسها في سبيل الدفاع عن ذوي قرباها ـ أن تصدر الفتوى الصريحة بقتل الخليفة عثمان وكفره، فتقول فيه: أُقتلوا نعثلا فقد كفر.
وقالت: أشهد أن عثمان جيفة على الصراط(148).
انطلقت هذه الكلمة من فم أُمّ المؤمنين، فانتشرت بين الناس(149).
ولمّا اشتدّ الامر على عثمان أمر مروان بن الحكم وعبدالرّحمن بن عتاب بن أُسيد فأتيا عائشة وهي تريد الحجّ فقالا لها:
لو أقمت، فلعلّ اللّه يدفع بك عن هذا الرجل، ((وقال مروان: ويدفع لك بكل درهم أنفقتيه درهمين))(150).
فقالت: قد قرنت ركائبي وأوجبت الحج على نفسي وواللّه لا أفعل! فنهض مروان وصاحبه، ومروان يقول:
وحرّق قيسٌ عليّ البلاد
فلمّا اضطرمت أحجما
ورد البيت في الانساب 5 / 75 هكذا:
وحَرَّقَ قيسٌ عليَّ البلا
د حتّى إذا اضْطَرَمتْ أَجذَما
فقالت عائشة: يا مروان! ((لعلك ترى إنّي في شكّ من صاحبك))(151) واللّه لوددت أنّه في غرارة من غرائري هذه وأنِّي طوقت حمله حتى أُلقيه في البحر(152).
خرجت أُمّ المؤمنين من المدينة متوجهة إلى مكة وخرج ابن عباس أميرا على الحاج من قبل عثمان فمرّ بعائشة في الصلصل وهي في طريقها إلى مكّة فقالت: يا ابن عباس ! أُنشدك اللّه فانّك أُعطيت لسانا أزعيلاً أن تخذِّل عن هذا الرجل. وفي الانساب:
إيّاك أن تردّ عن هذه الطاغية(153)
وأن تشكك فيه الناس فقد بانت لهم بصائرهم وأنهجت ورفعت لهم المنار وتحلّبوا من البلدان لامر قد جّم، وقد رأيت طلحة بن عبيد اللّه قد اتخذ على بيوت الاموال والخزائن مفاتيح، فان يلِ يَسرْ بسيرة ابن عمه أبي بكر.
قال قلت: يا أُمَّهْ لو حدث بالرجل ما حدث ما فزع الناس إلاّ إلى صاحبنا.
فقالت: ايها عنك إنِّي لست أُريد مكابرتك ولا مجادلتك(154).