ج ـ البصرة:

عزل عن البصرة وما تبعها من بلاد إيران الصحابي أبا موسى الاشعري مقرئ أهل البصرة وفاتح جنوب ايران وعثمان بن أبي العاص عن فارس وولى عليهما ابن خاله عبداللّه بن عامر بن كريز العبشمي وكان عمره أربع وعشرون أو خمس وعشرون سنة، روى الطبري وابن عساكر واللفظ لابن عساكر قال:

وفد يزيد بن خرشة الضبي إلى عثمان فقال: ما فيكم وضيع فترفعونه أو فقير فتجبرونه عمدتم إلى نصف سلطانكم فأطعمتموه هذا الاشعري فاستعمل عثمان عبداللّه بن عامر بن كريز وكان ابن خاله...(123).

دراسة الخبر:

لعل التعصب القبيلي العدناني كان دافع يزيد إلى ما قال فان ضبّة من تميم وتميم من العدنانيين والاشعريين من اليمانييّن القحطانيين وإنما قال (نصف سلطانكم) لانّ أبا موسى كان قد فتح من بلاد إيران كوري الاهواز: سوق الاهواز ونهر تيري وغيرهما ثمّ فتح مناذر والسوس ورامهرمز وتستر وجنديسابور وقم وكاشان ودينور وماسبذان وكورمهر جانقذف(124).

إكرام آخر من الخليفة لابن خاله:

مرّ بنا في بحث جمع القرآن أنّ الرسول (ص) ولّى عثمان بن أبي العاص على قومه بالطائف لانّه كان أقرأهم للقرآن فكان يصلّي بهم ويقرئهم القرآن إلى عهد الخليفة عمر حين كتب إليه أن يستخلف على الطائف ويقبل إليه فاستخلف أخاه فولاه على البحرين وعمان والبلاد الخليجية الاُخرى ثمّ أمره أن يغزو فارس فاستخلف أخاه وغزا بجيشه فارس وفتح في طريقه بعض الجزر في البحر ثمّ استولى على سواحل البلاد وفتح البلاد بلدة بعد أُخرى حتّى انتهى إلى توج بلدة قريبة من كازرون شديدة الحرّ بينها وبين شيراز ثلاثون فرسخا فجعلها دارا للمسلمين وبنى بها المساجد يشتي فيها، وفي غير الشتاء يغزو البلاد ويفتتحها. وأمر الخليفة عمر أبا موسى أن يعينه فتعاونا على فتح البلاد حتى اتصلت في ما بينهما، وعلى عهد الخليفة عثمان أراد أن يكرم ابن خاله عبداللّه بن أبي سرح فعزل عثمان بن سعيد وجمع لابن خاله الولاية على ما افتتحها عثمان بن سعيد وأبا موسى الاشعري وكان عبداللّه بن عامر من فتيان قريش جوادا من بيت مال المسلمين ومن أخباره في ذلك ما رواه ابن عساكر بترجمته من تاريخه وقال:

ارتجّ على عبداللّه بن عامر بالبصرة يوم أضحى فمكث ساعة ثمّ قال: واللّه لا أجمع عليكم عيّا ولؤما. من أخذ شاة من السوق فهي له وثمنها عليّ، (ولم تحتمله البصرة فكتب إلى عثمان يستأذنه الغزو فأذن له)(125).

لعلّ المراد: لم يحتمل بيت مال البصرة نفقاته في العطاء لمن أمر فانّه بعدما فتح بلاد كثيرة حج فأفشى في قريش والانصار الصلات والكساء فأثنوا عليه.

وبسبب ذلك لمّا استعتب عثمان من عماله كان في ما شرطوا عليه أن يقرّ ابن عامر على البصرة لتحبّبه إليهم وصلته هذا الحي من قريش، وبعد قتل الخليفة عثمان حمل بيت مال البصرة وذهب إلى مكة ثمّ إلى الشام ومات قبل معاوية بسنة.

* * *

كان ذلكم أمثلة من أخبار بعض الولاة على عهد الخليفة عثمان وكان لسرواة قريش والصحابة مواقف في تلك الاحداث نذكر بعضها في ما يأتي:


123 تاريخ الطبري ط. أوربا 1 / 2828 في أوّل ذكره أخبار سنة سبع وعشرين، وترجمة عبداللّه بن عامر من تاريخ ابن عساكر مصورة مخطوطة مكتبة الظاهرية بدمشق (9 / 2 / 232/ ب) وقد حذف الخبر ابن منظور في ترجمة عبداللّه بن عامر من مختصر تاريخ دمشق.

124 راجع أخبار فتوح هذه البلاد بفتوح البلدان للبلاذري، ص 177. وط. بيروت سنة 1377ه، القسم الخامس، ص 531 ـ 538.

125 تاريخ ابن عساكر مخطوطة الظاهرية مصورة المجمع العلمي 9 / ق 2 / 231 ب و 233ب.