كان ذلكم في عصر عمر، ولما استخلف عثمان الاموي ولاه على جميع بلاد الشام وأرخى له زمامه فانطلق معاوية على سجيته لايردع عمّا يشتهيه رادع.
وفي هذا العصر جرى له مع عبادة بن الصامت ما رواه ابن عساكر والذهبي(96) وقالا:
إنّ عبادة بن الصامت مرّت عليه قطارة(97) وهو بالشام تحمل الخمر؛ فقال: ما هذه؟ أزيت؟
قيل: لا، بل خمر يباع لفلان.
فأخذ شفرة من السوق، فقام إليها، فلم يذر فيها راوية إلاّ بقرها ـ وأبو هريرة إذ ذاك بالشام ـ فأرسل فلان إلى ابي هريرة، فقال: أتمسك عنا أخاك عبادة؛ أمّا بالغدوات فيغدو إلى السوق يفسد على أهل الذّمة متاجرهم، وأمّا بالعشيّ فيقعد في المسجد ليس له عمل إلاّ شتم أعراضنا وعيبنا!
قال: فأتاه أبو هريرة فقال: يا عبادة! ما لك ولمعاوية؟ ذره وما حمل.
فقال: لم تكن معنا إذ بايعنا على السمع والطاعة؛ والامر بالمعروف والنهي عن المنكر، وألاّ تأخذنا في اللّه لومة لائم، فسكت أبو هريرة.
وكتب معاوية إلى عثمان: أنّ عبادة بن الصامت قد أفسد عليّ الشام وأهله، فإمّا أن تكفّه إليك، وإمّا أن أُخلّي بينه وبين الشام.
فكتب إليه: أن رحّل عبادة حتى ترجعه إلى داره بالمدينة.
قال: فدخل على عثمان، فلم يفجأه إلاّ وهو معه في الدار؛ فالتفت إليه فقال: ما لنا ولك؟
فقام عبادة بين ظهرانيّ الناس؛ فقال: سمعت رسول اللّه (ص) يقول: سيلي أُموركم بعدي رجالٌ يعرّفونكم ما تنكرون؛ وينكرون عليكم ما تعرفون؛ فلا طاعة لمن عصى ولا تضارّوا بربكم.
وفي رواية ابن عساكر بعد هذا: فوالّذي نفس عبادة بيده إنّ فلانا يعني معاوية لمن أُولئك فما راجعه عثمان بحرف؛ انتهى.
وقصّة معاوية مع الصحابة في شربه الخمر لم يقتصر على ما كان بين معاوية وعبادة؛ فقد رووا أنّ عبد الرحمن بن سهل بن زيد
الانصاري غزا في زمن عثمان ومعاوية أمير على الشام، فمرّت به روايا خمر، فقام إليها برمحه، فبقر كلَّ راوية منها؛ فناوشه الغلمان؛
حتى بلغ شأنه معاوية؛ فقال: دعوه فإنّه قد ذهب عقله، فبلغه فقال: كلاّ واللّه ما ذهب عقلي ؛ ولكن رسول اللّه (ص) نهانا أن ندخل بيوتنا وأسقيتنا خمرا وأحلف باللّه لئن بقيت حتى أرى في معاوية ما سمعت من رسول اللّه (ص) لابقرنَّ بطنه أو لاموتنَّ دونه(98).
وأخرج ابن حنبل في مسنده ج 5 / 347 عن عبداللّه بن بريدة، قال: دخلت أنا وأبي على معاوية، فأجلسنا على الفرش، ثمّ أُتينا بالطعام، فأكلنا، ثمّ أُتينا بالشراب، فشرب معاوية، ثمّ ناول أبي، ثمّ قال: ما شربته منذ حرّمه رسول اللّه (ص)... الحديث.
وله قصصٌ أُخرى في الخمر أخرجها ابن عساكر في تاريخه(99).
وفي هذا العصر ـ عصر عثمان ـ كان لمعاوية مع أبي ذرّ قصصٌ يطول شرحها ونحن نوردها هنا بإيجاز من ترجمة عثمان في انساب الاشراف (5 / 54 ـ 55)، قال البلاذري:
لمّا ولي عثمان، واعطى مروان بن الحكم ما أعطاه، واعطى الحارث بن الحكم ثلاثمائة ألف درهم، وزيد بن ثابت الانصاري مائة ألف درهم، جعل أبو ذر يتلو:
(وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ). (التّوبة / 34)
وجرى بينه وبين عثمان في ذلك محاورات فأمره ان يلتحق بالشام، فكان أبوذر ينكر على معاوية أشياء يفعلها، وبعث إليه معاوية بثلاثمائة دينار، فقال: ان كان من عطائي الّذي حرمتمونيه عامي هذا قبلتها، وان كانت صلة فلا حاجة لي فيها.
وبنى معاوية قصره الخضراء بدمشق، فقال: يا معاوية ان كانت هذه الدار من مال اللّه فهي الخيانة، وان كانت من مالك فهذا الاسراف، فسكت معاوية.
وكان أبوذر يقول: واللّه لقد حدثت اعمال ما أعرفها، واللّه ما هي في كتاب اللّه ولا سنّة نبيّه، واللّه إنِّي لارى حقّا يطفأ وباطلاً يحيى، وصادقا يكذّب، وأثرة بغير تقىً، وصالحا مستأثرا عليه(100)، وكان الناس يجتمعون عليه، فنادى منادي معاوية ألاّ يجالسه أحد(101).
وفي رواية ان معاوية بعث إليه بألف دينار في جنح الليل فأنفقها، فلما صلى معاوية الصبح، دعا رسوله فقال: اذهب إلى أبي ذر، فقل انقذ جسدي من عذاب معاوية، فإنِّي أخطأت. قال: يا بني، قل له: يقول لك أبو ذر: واللّه ما أصبح عندنا منه دينار ولكن أنظرنا ثلاثا حتى نجمع لك دنانيرك.
فلمّا رأى معاوية أن قوله صدق فعله؛ كتب إلى عثمان: أما بعد؛ فإن كان لك بالشام حاجة أو بأهله؛ فابعث إلى أبي ذر فإنه وغل صدور الناس... الحديث(102).
وفي أنساب الاشراف: فكتب عثمان إلى معاوية: أمّا بعد، فاحمل جندبا على أغلظ مركب وأوعره.
فوجه معاوية من سار به الليل والنهار(103).
وفي تاريخ اليعقوبي(104): فكتب إليه أن احمله على قتب بغير وطاء؛ فقدم به إلى المدينة وقد ذهب لحم فخذيه.
وفي مروج الذهب(105): فحمله على بعير عليه قتب يابس. معه خمس من الصقالبة يطيرون به حتى أتوا به المدينة وقد تسلخت أفخاذه وكاد أن يتلف.
وفي الانساب: فلمّا قدم أبوذر المدينة جعل يقول: تستعمل الصبيان، وتحمي الحمى، وتقرب أولاد الطلقاء فسيره إلى الربذة، فلم يزل بها حتى مات.
وكان مكث أبيذر في الشام سنة واحدة، فقد ذكر المؤرخون أن تسفيره من المدينة إلى الشام كان سنة تسع وعشرين؛ وفي سنة ثلاثين شكاه معاوية إلى عثمان، فجلبه إلى المدينة، ثمّ نفاه إلى الربذة، فتوفي بها سنة إحدى وثلاثين أو اثنتين وثلاثين(106).
ولمعاوية ـ أيضا ـ قصص طويلة مع قراء أهل الكوفة الّذين سيرهم عثمان إلى الشام أوردها البلاذري في أنساب الاشراف(107)
وقال في آخر خبرهم ما موجزه:
بلغ معاوية أن قوما من أهل دمشق يجالسونهم فكتب إلى عثمان انك بعثت إلي قوما أفسدوا مصرهم وانغلوه، ولا آمن أن يفسدوا طاعة من قبلي ويعلموهم ما لايجيدونه حتّى تعود سلامتهم غائلة واستقامتهم اعوجاجا.
فكتب ـ عثمان ـ إلى معاوية يأمره أن يسيرهم إلى حمص، ففعل.
وإنما كان معاوية يشكو من بقاء صحابة النبي كأبي ذر، وعبادة بن الصامت وغيرهما من التابعين وقراء المسلمين وأخيارهم في الشام خشية أن يعرِّفوا أهل الشام ما خفي عنهم من الاسلام وأحكامه، فلا يستطيع معاوية آنذاك أن يعيش فيهم عيشة كسرى وقيصر.
وكان الخليفة عثمان عند حسن ظن أبناء عمومته الّذين ولاهم على المسلمين كما شرحنا ذلك في فصل (في عصر الصهرين) من كتاب أحاديث أُمّ المؤمنين عائشة، وأطلق لهم العنان، ففعلوا في ولاياتهم ما شاؤوا، وكان منهم معاوية استطاع أن يربي أهل الشام مدّة اثنتي عشرة سنة (24 ـ 36ه) زمان خلافة عثمان كما شاء أن يكونوا.
وعندما قتل عثمان كان أهل الشام أطوع له من بنانه واستطاع أن يقاتل بهم الامام عليّا كما سندرسه في ما يأتي إن شاء اللّه تعالى.