تولية بني أُميّة على رقاب المسلمين:
كانت تلكم أمثلة من سيرة الخليفة الامويّ عثمان في الاموال، وكانت سيرته في توليته بني عمومته على رقاب المسلمين كما يأتي
بيانه:
قال الذهبي في دول الاسلام ص 24:
ثمّ أخذوا ينقمون على خليفتهم عثمان لكونه يعطى المال لاقاربه ويولّيهم الولايات الجليلة، فتكلّموا فيه.
وفي ما يأتي تفصيل الخبر:
أ ـ اتّخذ مروان كاتبا ووزيرا وكان مروان يقطع الاُمور دونه، قال اليعقوبي في تاريخه (2 / 173): وكان الغالب عليه مروان بن الحكم وأبو سفيان بن حرب.
ب ـ أقطع الحارث بن الحكم سوق المدينة(78).
ج ـ جمع بلاد الشام لمعاوية بن أبي سفيان(79).
د ـ جمع البصره وبلاد فارس لابن خاله عبداللّه بن عامر بن كريز(80).
هـ ولّى على الكوفة أخاه لاُمّه الوليد بن عقبة بن أبي معيط ثمّ سعيدا(81).
و ـ ولّى على مصر وافريقيا أخاه من الرضاعة عبداللّه بن سعد بن العاص ابن أبي سرح(82).
وبذلك اصبحت جميع المدن الشامية وأجنادها تحت حكم معاوية، والبصرة وجندها وما تبعها من المدن الخليجية تحت حكم عبداللّه بن عامر، والكوفة وجندها والولايات الشرقية في إيران التابعة لها تحت حكم الوليد وسعيد، ومصر وجميع قارة افريقية تحت حكم عبداللّه بن سعد بن أبي سرح(83).
ونحن نورد اختصار أخبار ولاته على الشام والكوفة والبصرة ومصر بإذن اللّه تعالى:
أ ـ الشام:
كان واليه على الشام معاوية، وهذا خبره قبل ان يلي الشام وبعده:
(أسلم معاوية بعد فتح مكّة)(84) واخباره قبل اسلامه مع أبيه في حروبه لرسول اللّه مشهورة ورأى رسول اللّه (ص) ذات يوم أبا سفيان وهو راكب ومعاوية وأخوه أحدهما قائد والاخر سائق، فقال: (لعن اللّه الراكب والقائد والسائق)(85).
وتأخّر إسلامه بعد الفتح عن إسلام أبيه ولام أباه على إسلامه وأنشد قائلاً:
يا صخر لا تُسْلِمن يوما فتفضَحَنا
بعد الّذين ببدر أصبحوا مِزَقا
خالي وعَمّي(86) وعم الامّ ثالثهم
وحنظل الخير قد أهدى لنا الارَقا
لا تَرْكَنَنَّ إلى أمرٍ تكلّفنا
والراقصات به في مكة الخُرَقَا
فالموتأهونُمنقولالعداةلقد
((حادابنُحربعنالعُزّىإذافَرَقا))(87)
ولمّا أسلم أعطاه الرسول (ص) (سهم المؤلّفة قلوبهم في غزوة حنين)(88) ثمّ استكتبه أشهرا قبل وفاته وبعث إليه ذات يوم ابن عبّاس يدعوه ليكتب له فوجده يأكل، فاعاده النبيّ في طلبه، فوجده يأكل إلى ثلاث مرّات، فقال النبيّ (لا أشبع اللّه بطنه)(89).
وخرج رسول اللّه في سفره، فسمع رجلين يتغنّيان وأحدهما يجيب الاخر وهو يقول:
يزال حواري تلوح عظامه
زوى الحرب عنه أن يُجنَّ فَيُقبرا
فقال النبيّ: ((انظروا من هما؟))، فقالوا: معاوية وعمرو بن العاص، فرفع رسول اللّه (ص) يديه، فقال: (اللّهمّ اركسهما في الفتنة ركسا ودُعّهما إلى النار دعّا)(90).
وقال: (إذا رأيتموهما اجتمعا، ففرّقوا بينها، فانّهما لن يجتمعا على خير)(91).
ولمّا استخلف أبو بكر بعد الرسول وارسل في السنة الثالثة عشرة من الهجرة أخاه يزيد بن أبي سفيان مع الاُمراء لغزو الشام سار معاوية تحت لواء أخيه يزيد.
(وعلى عهد عمر لمّا طُعن يزيد سنة ثماني عشرة بالطاعون واحتضر استعمل اخاه معاوية على عمله دمشق وجندها، فاقرّه الخليفة عليها)(92).
78 المعارف لابن قتيبة الدينوري ص 84، وشرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 1 / 67، والعقد الفريد 4 / 283.
79 تاريخ الكامل لابن الاثير 3 / 44، والبداية والنهاية لابن كثير 8 / 124.
80 أنساب الاشراف 5 / 30، تاريخ الكامل لابن الاثير 3 / 37، البداية والنهاية لابن كثير 7 / 153 ـ 154.
81 أنساب الاشراف (5 / 29 و 39)، وتاريخ الكامل لابن الاثير 3 / 39، وتاريخ اليعقوبي 2 / 165، وتاريخ الطبري 4 / 317، والاغاني (4 / 175)، والبداية والنهاية لابن كثير 7 / 151.
82 أنساب الاشراف 5 / 26 ـ 28، وأُسد الغابة 3 / 173، والبداية والنهاية لابن كثير 7/ 250، وتاريخ الكامل لابن الاثير 3 / 33، وتاريخ اليعقوبي 2 / 165، وذكر تفصيل أسماء عماله في تاريخ الكامل لابن الاثير (3 / 42).
83 تاريخ دمشق لابن عساكر مخطوطة مصورة المجمع العلمي الاسلامي طهران (11 / 1 / 140ب).
84 أنساب الاشراف 1 / 532.
85 تذكرة الخواص ص 201، وجمهرة خطب العرب 2 / 23، شرح نهج البلاغة 2 / 23.
86 لم نعرف لمعاوية ((عما)) قتل يوم بدر ولعل الصواب ((جدّي)) بدل ((عمّي)) ومن الجائز أنّه يقصد بقوله ((عمّي)) أحد أبناء عمومة أبيه الّذين قتلوا ببدر.
87 رواه الزُّبير بن بكار في المفاخرات، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 2 / 102، وجمهرة خطب العرب 2 / 23، وفي تذكرة الخواص ص 201 البيت الاوّل والثالث حيث قال ((طوعا)) بدل ((يوما)) و((بنعمان به الحرقا)) بدل ((به في مكّة الخرقا))، والخرق: ضعف الرأي بسوء التصرف، الجهل والحمق، وحاد عنه: مال عنه، والفرق: الفزع.
88 تاريخ اليعقوبي 2 / 63.
89 أنساب الاشراف 1 / 532، وفيه هذه التتمة: فكان معاوية يقول: لحقني دعوة رسول اللّه (ص)، وكان يأكل في كل يوم مرات أكلاً كثيرا، وراجع صفين، ومسلم في صحيحه 4 / 2010، حديث 96 في باب (من لعنه النبيّ (ص)) وشرح نهج البلاغة 1 / 355، سير أعلام النبلاء 3 / 123، والبداية والنهاية لابن كثير 8 / 119.
90 في مسند أحمد 4 / 421 عن أبي برزة الاسلمي ولفظه ((فقالوا فلان وفلان)) وفي صفين لنصر بن مزاحم ص 246 الحديث عن أبي برزة كذلك، وفيه تصريح باسميهما ـ معاوية وعمرو ابن العاص ـ وأخرجه ابن عقيل في ص 59 من النصائح الكافية عن أبي يعلى بهذا السند، وعن الطبراني في الكبير بسنده إلى ابن عباس. وأخرجه السيوطي في اللاّ َّلئ المصنوعة، باب مناقب سائر الصحابة عن أبي يعلى عن أبي برزة، وأخرجه أيضا عن الطبراني في الكبير عن ابن عباس وأخرجه عن سيف بعد أن مسخه راجعه في 1 / 427.
و((يزال)) حذف منه ((لا)) كما يقال ((زلت أفعل)) أي: ما زلت أفعل، و((الحواري)): الصاحب الناصح، وأنصار الانبياء و((زوى عنه)) منع عنه و((يجن)): يكفن ويدفن وفي بعض النسخ ((يحس)) والمعنى في البيت لا يزال الناصر الناصح تلوح عظامه منع الحرب عن كفنه ودفنه. و((أركسه)): اعاده إلى الحالة السيئة و((أركسه)): نكسه، وفي القرآن الكريم ((واللّه أركسهم بما كسبوا)) و((الدع)): الدفع الشديد، العنيف.
91 في العقد الفريد 4 / 345 ـ 346 أن معاوية بعث إلى عبادة بن الصامت يستنصره في حرب علي؛ فلمّا جاء جلس بين عمرو ومعاوية وحدثهما بهذا الحديث.
في صفين 245 ـ 246 أن زيد بن أرقم دخل على معاوية فإذا عمرو بن العاص جالس معه على السرير فلمّا رأى ذلك جاء حتّى رمى بنفسه بينهما وحدثهما بهذا الحديث: ((إذا رأيتم معاوية وعمرو بن العاص مجتمعين، ففرقوا بينهما فإنّهما لن يجتمعا على خير)).
92 سير أعلام النبلاء 1 / 330 ط. بيروت، وتاريخ الطبري 4 / 202، والبداية والنهاية لابن كثير 8 / 124.