قال المؤلّف:
سوف نرى في ما يأتي من بحوث إن شاء اللّه تعالى كيف نفذ بنو أُميّة وصيّة شيخهم وعميد أُسرتهم في مدّة حكمهم بكلّ اتقان.
أمّا الخليفة الاموي عثمان فقد أدنى أقرباءه، بدءا بعمّه الحكم بن أبي العاص الّذي استقدمه من الطائف إلى المدينة وكان الرسول (ص) لعنه وطرده إليها لما كان يتجسّس على الرسول (ص) ويغمزه باصبعه كما في ترجمته في الاصابة.
وكان أبو بكر وعمر قد رفضا طلب عثمان ولم يأذنا له بالعودة إلى المدينة(59).
روى اليعقوبي في تاريخه في هذا الصدد وقال:
كان على الحكم يوم قدم المدينة فزر خلق (فزر الثوب: انشقّ وتقطّع وبلي) وهو يسوق تيسا حتى دخل دار عثمان والناس ينظرون إلى سوء حاله وحال من معه، ثمّ خرج وعليه جبّة خزّ وطيلسان(60).
وقال ابن قتيبة في المعارف اعطاه مائة ألف درهم(61).
وقال البلاذري في الانساب: ولاّه صدقات قضاعة ـ حيّ في اليمن ـ فبلغت ثلاثمائة ألف درهم، فوهبها له حين أتاه بها، وكان يجلسه على سريره، ولما مات بالمدينة ضرب على قبره فسطاطا(62).
وادنى مروان بن الحكم صهره من ابنته ام أبان واتّخذه كاتبا واعطاه خمسمائة الف دينار (خمس غنائم أفريقية)(63).
واقطع الحارث بن الحكم صهره من ابنته عائشة سوق مهزور بالمدينة وكان تصدق بها رسول اللّه (ص) على المسلمين(64)
واعطاه ثلاثمائة ألف درهم وقدمت ابل الصدقة، فوهبها له(65).
واعطى سعيد بن العاص بن أُميّة مائة ألف درهم(66).
واعطى لعبداللّه بن خالد بن أُسيد بن أبي العاص بن أُميّة ثلاثمائة ألف درهم ولكل رجل من قومه الف درهم(67)، اعطى عبداللّه أربعمائة ألف درهم، وزوج ابنته من عبداللّه بن خالد بن اسيد وأمر له بستمائة ألف درهم(68).
وأعطى أبا سفيان مائتي الف من بيت المال في اليوم الّذي أمر فيه لمروان بن الحكم بمائة ألف من بيت المال(69). قال البلاذري:
كان في بيت المال سفط فيه حليّ وجوهر، فأخذ منه عثمان ما حلّى به بعض اهله، فاظهر الناس الطعن عليه في ذلك، وكلّموه فيه بكلام شديد حتى أغضبوه، فقال:
هذا مال اللّه أُعطيه من شئت وأمنعه من شئت فارغم اللّه أنف من رغم.
وفي لفظ: لنأخذنّ حاجتنا من هذا الفيء وان رغمت أُنوف أقوام...(70).
وجاء إليه أبو موسى بكيلة ذهب وفضّة، فقسّمها بين نسائه وبناته وانفق أكثر بيت المال في عمارة ضياعه ودوره(71).
وقال ابن سعد:
كان لعثمان عند خازنه يوم قتل ثلاثون ألف ألف درهم وخمسمائة ألف درهم، وخمسون ومائة ألف دينار.
وترك ألف بعير بالربذة وصدقات ببراديس وخيبر ووادي القرى قيمة مائتي الف دينار(72).
وفي ترجمة عثمان من انساب الاشراف للبلاذري وغيره: عن سليم، أبي عامر، قال: رأيت على عثمان بردا ثمنه مائة دينار.
وفي رواية أُخرى عن محمّد بن ربيعة بن الحارث قال: رأيت على عثمان مطرف خز ثمنه مائة دينار فقال: هذا لنائلة كسوتها إيّاها فأنا ألبسه لاسرها بذلك(73).
وقال الذهبي: كان قد صار له أموال عظيمة (رض) وله ألف مملوك(74).
وقال المسعودي: بنى في المدينة دارا وشيّدها بالحجر والكلس، وجعل أبوابها من الساج والعرعر، واقتنى أموالا وجنانا وعيونا بالمدينة.
وذكر عبداللّه بن عتبة انّ عثمان يوم قتل كان عند خازنه من المال خمسون ومائة ألف دينار وألف ألف درهم وقيمة ضياعه بوادي القرى وحُنين وغيرهما مائة ألف دينار وخلف خيلاً كثيرا وابلا(75).
ويتلخّص ما جرى في مدّة خلافته ما رواه ابن سعد وقال: لمّا ولي عثمان عاش اثنتي عشرة سنة أميرا يعمل ست سنين لاينقم الناس عليه شيئا، وانّه لاحبّ إلى قريش من عمر بن الخطّاب، لانّ عمر كان شديدا عليهم، فلمّا وليهم عثمان لان لهم ووصلهم، ثمّ توانى في أمرهم واستعمل أقرباءه وأهل بيته في السّت الاواخر، وكتب لمروان بخمس مصر، واعطى أقرباءه المال، وتأوَّل في ذلك الصلة الّتي أمر اللّه بها، واتخذ الاموال، واستسلف من بيت المال، وقال: ان أبا بكر وعمر تركا من ذلك ما هو لهما، وإنّي اخذته، فقسَّمته في أقربائي، فأنكر الناس عليه ذلك.
وروى ـ أيضا ـ وقال:
انّ عثمان كان يقول: أيُّها الناس! إنّ أبا بكر وعمر كانا يتأوَّلان في هذا المال ظَلْفَ أنفسهما ـ يريدان المشقة لانفسهما ـ وذوي أرحامهما، وانّي تأوّلت فيه صلة رحمي(76).
وروى ابن عساكر في ترجمة عثمان عن الزهري وقال:
انّ عثمان لما ولي كره ولايته نفر من الصحابة، لانّ عثمان كان يحبّ قومه، فولي الناس اثنتي عشرة سنة، وكان كثيرا ما يولّي بني أُميّة ممّن لم يكن له مع النبيّ ـ عليه الصلاة والسلام ـ صحبة، فكان يجيء من امرائه ما ينكره أصحاب محمّد ـ عليه الصلاة والسلام ـ وكان عثمان يُسْتَعْتَبُ فيهم فلا يعزلهم، وذلك في سنة خمس وثلاثين، فلمّا كان في الستّ الاواخر استأثر بني عمّه، فولاّهم وما اشرك معهم، وامرهم بتقوى اللّه فولّى عبداللّه بن أبي سرح مصر، فمكث عليها سنين، فجاء اهل مصر يشكونه ويتظلّمون منه، وقد كان قبل ذلك من عثمان هَنَاة إلى عبداللّه بن مسعود، وأبي ذر، وعمار بن ياسر، فكانت بنو هُذَيْل وبنو زهْرَة في قلوبهم ما فيها لحال ابن مسعود، وكانت بنو غفار وأحلافها ومن غضب لابي ذر في قلوبهم ما فيها، وكانت بنو مخزوم قد حنقت على عثمان لحال عمّار بن ياسر(77).