ح ـ أخبار القراءة والاقراء وتدوين القرآن:
روى ابن أبي داود في باب كتابة المصاحف حفظا من كتابه المصاحف ص 137 بسنده وقال ما موجزه:
جاء رجل إلى عمر وهو يعرفه، فقال: يا أمير المؤمنين! جئتك من الكوفة وتركت بها رجلا يُملي المصاحف عن ظهر قلبه.
قال: فغضب عمر، وقال: من هو ويحك!؟
قال: هو عبداللّه بن مسعود.
فتسرَّى عنه الغضب وعاد إلى حالته.
وإذا علمنا ان ابن مسعود كان الموفد من قبل الخليفة لاقراء القرآن في الكوفة وأن الاقراء كان في حالة كهذه في مسجد البلد أدركنا أن عدد تلاميذه كان يبلغ الالوف ممّن يكتبون في مصاحفهم ما يُملي عليهم ابن مسعود من القرآن.
وروى السيوطي بسنده في الاتقان 2 / 170 وقال: ان الخليفة عمر وجد مع رجل مصحفا قد كتبه بقلم دقيق، فكره ذلك وضربه، وقال: عظّموا كتاب اللّه تعالى.
قال: وكان عمر إذا رأى مصحفا عظيما سرّ به.
من أخبار القرّاء في عصر عمر:
في مصاحف ابن أبي داود السجستاني عن عطيّة بن قيس قال: انطلقَ ركبٌ من أهل الشام إلى المدينة يكتبون مُصحفا لهم، فانطلقوا معهم بطعام وإدامٍ وكانوا يطعمون الّذين يكتبون لهم، فكان أُبي يمرُّ عليهم يقرأ القرآن فقال عمر: يا أُبيّ! كيف وجدت طعام الشام؟ قال لاُوشك إذا ما نسيتُ أمرَ القوم ما أصبتُ لهم طعاما ولا إداما(44).
وروى البخاري وقال: كان القرّاء أصحاب مجلس عمر ومشاورته كهولاً كانوا أم شبانا(45).
وروى المتقي في كنز العمال وقال: كتب عمر بن الخطاب إلى أُمراء الاجناد أن ارفعوا إليَّ كلَّ من حمل القرآن حتى الحقهم في الشرف من العطاء وأُرسلهم في الافاق يعلمون الناس فكتب إليه الاشعري انّه بلغ من قبلي من حمل القرآن ثلاثمائة وبضع رجال(46).
عن محمّد بن كعب القُرظي، قال: جمع القرآن في زمانِ النبي (ص) خمسةٌ من الانصار: معاذ بن جبلٍ، وعبادةُ بن الصامتِ، وأُبيُّ بن كعب، وأبو أيوب، وأبو الدرداء.
فلمّا كان زمانُ عمر بن الخطاب كتب إليه يزيد بن أبي سفيان، ان أهل الشام قد كثروا وربَلوا وملاوا المدائن، واحتاجوا إلى من يعلمهم القرآن، ويفقههم فاعِن يا أمير المؤمنين برجالٍ يعلمونهم.
فدعا عمر أُولئك الخمسة، فقال لهم: إن إخوانكم من أهل الشام قد استعانوني بمن يعلمهم القرآن ويفقههم في الدين، فاعينوني رحمكم اللّه بثلاثةٍ منكم، إن أحببتم، فاستهموا، وإن انتدب منكم ثلاثة فليخرجوا.
فقالوا: ما كنا لنساهم، هذا شيخ كبير لابي أيوب، وأما هذا، فسقيم لاُبيّ ابن كعب.
فخرج معاذ بن جبل وعبادة وأبو الدرداء، فقال عمر ابدأوا بحمص، فانّكم ستجدون الناس على وجوه مختلفة، منهم من يلقن، فاذا رأيتم ذلك فوجهوا إليه طائفة من الناس فاذا رضيتم منهم فليقُم بها واحدٌ، وليخرج واحدٌ إلى دمشق، والاخر إلى فلسطين.
فقدموا حمص، فكانوا بها حتى اذا رضوا من الناس أقام بها عبادة، ورجع أبو الدرداء إلى دمشق، ومعاذ إلى فلسطين.
فاما معاذ، فمات عام طاعون عَمواس، وأما عبادة، فسار بعد إلى فلسطين فمات بها، وأما أبو الدرداء فلم يزل بدمشق حتّى مات(47).
دراسة الاخبار:
أ ـ كان القراء يشاركون جنود المسلمين في سكنى مراكز الجنود مثل الكوفة والبصرة، فأراد الخليفة أن يوظف القراء للاقراء في آلاف البلاد الّتي فتحت على عهده.
ب ـ كان الخليفة دوّن دواوين للعطاء، وفضل فيه بعضهم على بعض الاخر فقد فرض ـ مثلا ـ لاهل بدر خمسة آلاف درهم ولمن حضر أُحدا بعد أهل بدر أربعة آلاف ولمن بعدهم أقل من ذلك إلى ثلاثمائة درهم ومائتين(48) وعليه يكون الشرف من العطاء الّذي رفع إليه الخليفة عمر القرّاء خمسة آلاف درهم.
وبعث القرّاء للاقراء في البلاد الاسلامية مثل ابن مسعود الّذي بعثه للاقراء في الكوفة.
وعبادة بن الصامت ومعاذ بن جبل وأبا الدرداء للشام ونصب عبد الرحمن ابن ملجم مقرئا لمصر.
وكان يضيف لبعضهم مع الاقراء وظيفة اخرى كما روى ابن الاثير في أُسد الغابة بترجمة عبادة وقال: ((أرسله عمر بن الخطاب وأرسل معه معاذ بن جبل وأبا الدرداء ليعلموا الناس القرآن بالشام ويفقهوهم في الدين وأقام عبادة بحمص وأقام أبو الدرداء بدمشق ومضى معاذ إلى فلسطين(49).
وقال: ان عبادة تولى قضاء فلسطين.
وبلغ كثرة القراء في البلاد الاسلامية إلى حد أنّه خرج على الامام بعد تحكيم الحكمين ثمانية آلاف من قراء الناس من بلد الكوفة(50).
وبسبب كل ما ذكرناه لم يكن يولد مولود في أي بقعة أرض من أراضي المسلمين ولا يعتنق الاسلام إنسان ما على وجه الارض منذ عصر الرسول حتى عصر الامام عليّ (ع) إلاّ ويشترك مع سائر المسلمين في حلبة السباق في تقارؤ القرآن مؤمنا كان أو منافقا، فالمؤمن طلبا لرضا اللّه والمنافق طلبا للشهرة في مجتمع كان القرآن فيه ميزانا للمفاضلة بين أهله.
ولذلك لما انتشرت الفتوح في عصر الخليفة عمر بلغ عدد القراء بين المسلمين ما لايحصيه غير اللّه سبحانه.