ز ـ السماح لكعب الاحبار برواية الاخبار:

أبو إسحاق كعب بن ماتع الملقب بكعب الاحبار وكعب الحَبر، واشتهر بكعب الاحبار، والحبر عالم اليهود، وأحيانا يقال لغير علماء اليهود ـأيضاـ الحبر وكان اليهود يسمُّونه بكعب الاحبار لانّه كان عنده جميع كتب اليهود أو لانّه أحد كبار علمائهم، قالوا في ترجمته:

أ ـ كان من كبار علماء أهل الكتاب(32).

ب ـ كان من أحبار اليهود في اليمن، وجاء إلى المدينة في عصر الخليفة عمر، ويظهر ممّا ذكروا في ترجمته أنّه سافر من اليمن إلى المدينة، ليذهب منها إلى الارض الموعودة لليهود الشام(33).

يظهر ممّا ذكروا من أخبار كعب الاحبار مع الخليفة عمر أنّ الخليفة تدرّج في الركون إلى أقوال كعب في تفسير القرآن.

فقد روى السيوطي عن ابن عمر أنّه قال: تلا رجل عند عمر (كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُم بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودا غَيْرَهَا) فقال كعب: عندي تفسير هذه الاية قرأتها قبل الاسلام.

فقال: هاتها يا كعب، فان جئت بها كما سمعت من رسول اللّه (ص) صدقناك.

قال: أني قرأتها قبل الاسلام (كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها) في الساعة الواحدة عشرين ومائة مرّة.

فقال عمر: هكذا سمعت من رسول اللّه (ص)(34).

وفي رواية أُخرى قال : ان عمر بن الخطاب قال: يا كعب ما عدن؟

قال: قصور من ذهب في الجنة يسكنها النبيون والصدِّيقون وأئمة العدل.

وفي قوله (وَقِهِمُ السَّيِّئاتِ) قال العذاب(35).

وارتفع مقامه عند الخليفة على حسب ما يظهر من الرواية الاتية:

عن كعب قال: كنت عند عمر بن الخطاب، فقال: خوفنا يا كعب، فقلت: يا أمير المؤمنين! أَوَليس فيكم كتاب اللّه وحكمة رسوله؟ قال: بلى ولكن خوفنا، قلت: يا أمير المؤمنين! لو وافيت القيامة بعمل سبعين نبيا لازدريت عملك مما ترى، قال: زدنا، قلت: يا أمير المؤمنين لو فتح من جهنم قدر منخر ثور بالمشرق ورجل بالمغرب لغلا دماغه حتى يسيل من حرها، قال: زدنا، قلت: يا أمير المؤمنين ان جهنم لتزفر زفرة يوم القيامة لا يبقى ملك مقرب ولا نبي مرسل إلاّ خرّ جاثيا على ركبتيه حتى إن إبراهيم خليله ليخر جاثيا على ركبتيه فيقول رب نفسي نفسي لا أسألك اليوم إلاّ نفسي، فأطرق عمر مليا، قلت: يا أمير المؤمنين! أَوَليس تجدون هذا في كتاب اللّه؟ قال: كيف قلت قول اللّه في هذه الاية: (يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَن نَفْسِهَا وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ)(36).

وقال عمر لكعب: ما أوّل شيء ابتدأه اللّه من خلقه؟

فقال كعب: كتب اللّه كتابا لم يكتبه بقلم ولا مداد، ولكن كتب باصبعه يتلوها الزبرجد واللؤلؤ والياقوت أنا اللّه لا إله إلاّ أنا سبقت رحمتي غضبي(37).

وسأل كعبا فقال: أخبرني عن هذا البيت ما كان أمره؟

فقال: إن هذا البيت أنزله اللّه من السماء ياقوتة حمراء مجوفة مع آدم فقال يا آدم ان هذا بيتي فطف حوله وصل حوله كما رأيت ملائكتي تطوف حول عرشي وتصلي، ونزلت معه الملائكة فرفعوا قواعده من حجارة، ثمّ وضع البيت على القواعد فلما أغرق اللّه قوم نوح رفعه اللّه إلى السماء وبقيت قواعده(38).

وسأل عمر بن الخطاب كعبا عن الحجر، فقال: مروة من مرو الجنة(39).

وعلى أثر اعتماد الخليفة عليه ركن الاخرون إلى كعب كما يظهر ذلك ممّا رواه ـأيضاـ السيوطي وقال:

وعن عبداللّه بن الحارث قال: كنت عند عائشة، وعندها كعب، فذكر إسرافيل (ع) فقالت عائشة: اخبرني عن إسرافيل (ع).

قال: له أربعة أجنحة جناحان في الهواء، وجناح قد تسرول به، وجناح على كاهله والقلم على أُذنه. فإذا نزل الوحي كتب القلم ودرست الملائكة وملك الصور أسفل منه جاث على احدى ركبتيه وقد نصب الاُخرى، فالتقم الصور فحنى ظهره وطرفه إلى إسرافيل ضمّ جناحيه ان ينفخ في الصور(40).

روى كعب عن النبي (ص) مرسلا، وعن عمر وصهيب وعائشة، وروى عنه من الصحابة ابن عمر وأبو هريرة وابن عباس وابن الزُّبير ومعاوية ومن كبار التابعين أبو رافع الصائغ ومالك بن عامر وسعيد بن المسيب وابن امرأته تبع الحميري وممن بعدهم عطاء وعبداللّه بن ضمرة السلولي وعبداللّه بن رباح الانصاري وآخرون(41).

وقال رأس الجالوت لهم: إن كل ما تذكرون عن كعب بما يكون أنّه يكون إن كان قال لكم إنّه مكتوب في التوراة، فقد كذبكم، إنما التوراة كتابكم إلا أن كتابكم جامع يسبح للّه ما في السماوات وما في الارض وفي التوراة يسبح للّه الطير والشجر وكذا وكذا.

وإنّما الّذي يحدث به كعب عمّا يكون من كتب أنبياء بني إسرائيل وأصحابهم كما تحدثون أنتم عن نبيّكم وعن أصحابه.

وأحيانا كان الصحابة يردّون على كعب ما يرويه كالخبر الاتي:

قال: بلغ حذيفة أن كعبا يقول: إن السماء تدور على قطب كالرحى، فقال كذب كعب إن اللّه يقول (إِنَّ اللّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالاْ َرْضَ أَن تَزُولاَ )، ووقع ذكره في عدّة مواضع في الصحيح منها عند مسلم في حديث الاعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبيّ (ص) قال: ((إذا أدّى العبد حقّ اللّه وحق مواليه كان له أجران))، قال أبو هريرة فحدثت به كعبا فقال ليس عليه حساب ولا على مؤمن زهد(42).

وذكر أبو الدرداء كعبا فقال: إنّ عند ابن الحميريّة لَعلما كثيرا(43).


32 تذكرة الحفاظ 1 / 52.

33 تاريخ مدينة دمشق 1 / 109.

34 تفسير الدرّ المثنور للسيوطي 2 / 174 تفسير سورة النِّساء / 56 وتفسير سورة الرعد الاية 23.

35 تفسير الدرّ المنثور للسيوطي 5 / 347 تفسير سورة غافر / 7.

36 الدرّ المنثور للسيوطي 4 / 133 تفسير سورة النّحل / 111.

37 نفس المصدر 3 / 6.

38 نفس المصدر 1 / 132.

39 نفس المصدر 1 / 35.

40 الدرّ المنثور للسيوطي 5 / 338 تفسير سورة الزُّمر / 68.

41 تهذيب التهذيب بترجمة كعب الاحبار 8 / 438.

42 الاصابة 3 / 298 ـ 299 في القسم الثالث تهذيب التهذيب لابن حجر 8 / 438 ومصورة مخطوطة ابن عساكر 14 / 2 / 284 (ب).

43 طبقات ابن سعد 7 / 156 من الطبقة الثانية، وقصد من العلم روايات كعب الانفة.