و ـ عمل الاثنين المذكورين بسياسة الخلافة في رواية الحديث:

إذا تدبّرنا في نوع الايات الّتي كان الخليفة يوجِّه الاسئلة عن تفسيرها إلى ابن عباس، وجدناها تدور حول آيات ليس فيها مدح أو قدح لانسان عملاً بسياسة قريش في نهيهم عن نشر حديث الرسول لما فيه مدح أو قدح لانسان لزعمهم أنها صدرت في حال رضا الرسول أو سخطه على ذلك الانسان.

كان ذلكم في العلن.

أمّا في الخفاء فكان أحيانا ونادرا ما يجري الحديث المحظور، ومن جملتها ما رواه الطبري والبخاري ومسلم وغيرهم عن ابن عباس واللفظ للاول قال: قال ابن عباس:

مكثت سنة وأنا أُريد أن أسأل عمر بن الخطاب عن المتظاهرتين ـالمذكورتين في سورة التحريمـ فما أجد له موضعا أسأله فيه، حتى خرج حاجا وصحبته حتى إذا كان بمرّ الظهران ـ على مرحلة من مكة ـ ذهب لحاجته، وقال: أدركني باداوة من ماء، فلما قضى حاجته ورجع أتيته بالاداوة أصبُّها عليه فرأيت موضعا، فقلت:...(31).

كان في حمل ابن عم الرسول الاداوة للخليفة تجمُّل له وفي مثل هذا المقام وجد الفتى الذكي فرصة مناسبة ليسأل الخليفة في معزل عن الناس عن خبر محظور الحديث حوله.

وجلُّ ما روي عن ابن عباس في التفسير تفسير لفظي لايات القرآن الكريم.

كان ذلكم شأن ابن عباس وأحاديثه حول القرآن الكريم.

وإذا تدبّرنا أحاديث أُمّ المؤمنين عائشة وجدنا كثيرا مما روي في فضائل الخليفتين ينتهي أسنادها إليها ووجدنا في أحاديثها انكارا لبعض فضائل الامام علي كما مرّ بنا شيء منها في بحث الوصيّة من المجلد الاول من كتاب معالم المدرستين، والدراسة المفصلة لاحاديثها منشورة في كتابنا (أحاديث أُمّ المؤمنين عائشة) والحمد للّه.

والحقّ أنّ كلا من أُمّ المؤمنين عائشة وعبداللّه بن عباس كانا يمتازان بذكاء مفرط يستفيد منهما الخليفة في حسن تنفيذ سياسة الخلافة، ويدرك ذلك بوضوح في ما روي عن ابن عباس في تفسير القرآن على عهد الخليفة عمر وما روي عن أُمّ المؤمنين عائشة في عامة أيّام حياتها.

* * *

كان ذلكم شأن ابن عباس وأُمّ المؤمنين عائشة في أمر الافتاء وتفسير القرآن ممّن صحب الرسول.

أمّا من علماء أهل الكتاب، فكان شأنهما في ذلك كالاتي.


31 تفسير الاية بتفسير الطبري 28 / 104 ـ 105 وصحيح البخاري 3 / 137 ـ 138 و ج 4 / 22 وصحيح مسلم، كتاب الطلاق، الحديث 31 ـ 34، 2 / 1108 ومسند أحمد 1/ 48.