هـ استثناء بعض الصحابة وبعض علماء أهل الكتاب عن نهي نشر الحديث:

أذن الخليفة عمر لعدد معيّن في المدينة ان يسألوا عن تفسير القرآن وغيره فيجيبوا مثل أُمّ المؤمنين عائشة في زوجات الرسول (ص) وابن عباس في حاشيته.

أوّلا: أُمّ المؤمنين عائشة.

روى ابن سعد وقال: (كانت عائشة قد استقلت بالفتوى في خلافة أبي بكر وعمر وعثمان وهلمّ جرّا إلى أن ماتت).

وروى ـ أيضا ـ وقال: كانت عائشة تفتي في عهد عمر وعثمان إلى أن ماتت (ره)، وكان الاكابر من أصحاب رسول اللّه عمر وعثمان بعده يرسلان إليها، فيسألانها عن السنن(15).

استقلت: أي انفردت بالفتوى.

وقد درسنا أحاديثها في المجلّد الثاني من كتاب أحاديث أُمّ المؤمنين عائشة.

ثانيا: عبداللّه بن عباس.

قال ابن كثير في ترجمة ابن عباس: ثبت عن عمر بن الخطاب أنّه كان يجلس ابن عبّاس مع مشايخ الصحابة ويقول: نعم ترجمان القرآن عبداللّه بن عبّاس(16).

وروى البخاري وغيره في تفسير سورة النصر واللفظ للبخاري(17):

عن ابن عباس قال: كان عمر يدخلني مع أشياخ بدر فكأن بعضهم وجد في نفسه فقال لِمَ تدخل هذا معنا ولنا أبناء مثله فقال عمر: انّه من حيث علمتم. فدعاهم في ذات يوم فادخله معهم فما رُئيت انّه دعاني يومئذ إلاّ ليريهم، قال: ما تقولون في قول اللّه تعالى: (إِذَا جَاء نَصْرُ اللّهِ وَالْفَتْحُ).

فقال بعضهم: أمرنا أن نحمد اللّه ونستغفره إذا نصرنا وفتح علينا، وسكت بعضهم فلم يقل شيئا، فقال لي: أكذاك تقول يا ابن عباس؟ فقلت: لا، قال: فما تقول؟ قلت هو أجل رسول اللّه (ص) أعلمه له قال: إذا جاء نصر اللّه والفتح وذلك علامة أجلك فسبح بحمد ربك واستغفره انّه كان توابا فقال عمر: ما أعلم منها إلاّما تقول.

وروى ابن كثير في تفسيره:

قال ابن عباس: دعا عمر بن الخطاب أصحاب محمّد (ص)، فسألهم عن ليلة القدر فأجمعوا أنّها في العشر الاواخر، قال ابن عباس: فقلت لعمر: إنِّي لاعلم ـ أو إنِّي لا أظن ـ أي ليلة القدر هي. فقال عمر: وأي ليلة هي؟ فقلت سابعة تمشي تمضي ـ أو سابعة تبقى ـ من العشر الاواخر، فقال عمر: من أين علمت ذلك؟ قال ابن عباس: فقلت: خلق اللّه سبع سماوات وسبع أرضين وسبعة أيام وان الشهر يدور على سبع وخلق الا نسان من سبع ويأكل من سبع ويسجد على سبع والطواف بالبيت سبع، ورمي الجمار سبع، لاشياء ذكرها فقال عمر: لقد فطنت لامر ما فطنا له(18).

وفي المستدرك: فقال عمر لابن عباس: ما لك يا ابن عباس لا تتكلم؟

قال: إن شئت تكلمت.

قال: ما دعوتك إلاّ لتكلم.

فقال: أقول برأيي.

فقال: عن رأيك اسألك، فقلت: إنِّي سمعت رسول اللّه (ص) يقول: إنّ اللّه تبارك وتعالى أكثر ذكر السبع... الحديث.

فقال عمر: أعجزتم أن تقولوا مثل ما قال هذا الغلام الّذي لم تستو شؤون رأسه؟

ثمّ قال: إنِّي كنت نهيتك أن تكلم فإذا دعوتك معهم فتكلم(19).

قال ابن كثير في ترجمة ابن عباس: كان إذا أقبل يقول عمر: جاء فتى الكهول، وذو اللسان السؤول، والقلب العقول(20).

وفي سير اعلام النبلاء قال المهاجرون لعمر: ألا تدعو أبناءنا كما تدعو ابن عباس؟

فقال: ذاكم فتى الكهول...(21).

وروى عن ابن عباس وقال: قال لي أبي: إنّ عمر يُدنيك، ويُجلسك مع أكابر الصحابة، فاحفظ عنِّي ثلاثا: لاتفشينّ له سرّا، ولا تغتابنّ عنده أحدا، ولا يجربنّ عليك كذبا(22).

وروى ابن كثير وقال: إن عمر وعثمان كانا يدعوان ابن عباس فيسير مع أهل بدر، وكان يفتي في عهد عمر وعثمان إلى يوم مات(23).

وروى الذهبي في ترجمته عن طلحة بن عبيد اللّه انّه قال: وما كنت أرى عمر يقدم عليه أحدا.

وروى الذهبي ـ أيضا ـ وقال: كان عمر يستشير ابن عباس في الامر اذا همه، ويقول غصّ غواص.

وروى عن سعد بن أبي وقاص انّه قال: لقد رأيت عمر يدعوه للمعضلات، ثمّ لا يجاوز قوله، وان حوله لاهل بدر(24).

هكذا استطاع عمر الخليفة أن يروض كبار الصحابة، ليقترئوا القرآن عند هذا الفتى، فقد روى البخاري بسنده عن ابن عباس أنّه قال:

(كنت أقرئ رجالا من المهاجرين منهم عبد الرحمن بن عوف، فبينما أنا في منزله بمنى وهو عند عمر بن الخطاب في آخر حجة حجها إذ رجع عبد الرحمن...)(25).

وكل ما مرّ بنا من اسئلة الخليفة عمر من ابن عباس كان عن تفسير القرآن وسمّوا ذلك بالافتاء.

إذا فان الافتاء كان يستعمل في كلامهم، ويقصد به كلّ بيان رأي في أمر ديني، وكذلك الافتاء في أخبار أُمّ المؤمنين كما مرّ بنا ذكره.

ويظهر ممّا سئل عن ابن عباس في ذلك العصر، وأجاب عنه ان ابن عباس كان يعلم ما ينبغي أن يحدث به، فقد روى ابن كثير وقال:

ان عمر كان يقول: أقلوا الرواية عن رسول اللّه (ص) إلاّ في ما يعمل به(26).

دراسة في أمر الاستثناءين:

ولد ابن عباس في السنة الثالثة قبل الهجرة، وتوفي الرسول (ص) وقد ناهز الحلم.

ولدت أُمّ المؤمنين عائشة في السنة الرابعة من البعثة ودخلت بيت الرسول (ص) بعد غزوة بدر، وتوفي الرسول (ص) وعمرها ثماني عشر سنة وبقيت في بيته ثماني سنوات وخمسة أشهر.

وتزوج الرسول (ص) سودة قبلها، ودخلت بيت الرسول (ص) قبلها، وتوفيت سنة أربع وخمسين.

وتزوج الرسول (ص) أُمّ سلمة بعد غزوة أُحد، وتوفيت في خلافة يزيد بعد استشهاد الامام الحسين (ع).

وعلى هذا أدرك ابن عباس حياة الرسول (ص) وهو صبيّ لم يبلغ الحلم بينما أدرك كبار الصحابة حياة الرسول وهم في سنّ الرشد الفكري والنضوج العقلي.

كما أدركت عائشة حياته وهي فتاة صغيرة تلعب مع أترابها باللعب كما حدثت هي بذلك(27) بينما أدركت سودة حياة الرسول (ص) قبلها وأُمّ سلمة مقارنا لزمانها وقد بلغتا من جلال السنّ والنضوج العقلي ما يؤهلهما لتفقّه سنَّة الرسول (ص) أكثر من عائشة. ويا ترى ما السبب في أن يبلغ ابن عباس مقام المشير من الخليفة عمر، ولم تحنكه التحارب في الحرب والسلم؟ وما الّذي أهله ليتربّع على دست الفتيا على عهد الخليفتين عمر وعثمان إلى يوم مات!؟

ما السبب في أن تنفرد أُمّ المؤمنين عائشة بالافتاء على عهد عمر وعثمان وتستمر في الفُتيا إلى يوم وفاتها؟!

والجواب: أن ما كان من قيامهما بالافتاء بعد عهد عمر فهو امتداد لعملهما بالافتاء على عهد عمر وبارجاع الخليفة المهيب إليهما!

وما كان من سبب ارجاع الخليفة عمر إلى أُمّ المؤمنين عائشة وهي فتاة في مقتبل العمر فقد بيناه مفصّلاً في كتابنا أحاديث أُمّ المؤمنين عائشة ونشير إليه هنا.

وأمّا ابن عباس فهل كان عنده من علم الرسول (ص) وسنته ما لم يكن عند الصحابة السبّاقين إلى الاسلام في مكه أمثال الامام علي (ع) وابن مسعود وعمار بن ياسر وخبّاب بن الارت ونظرائهم؟

وهل كان عنده ما رشحه لمقام المشير عند الخليفة من رجاحة العقل ما لم تكن عند الامام علي ومن الحنكة ما لم تكن عند عبدالرّحمن بن عوف ومن الدراية في الاُمور ما لم تكن عند عثمان ومن الخبرة في الحروب ما لم تكن عند أبي عبيدة وخالد بن الوليد ومن الدهاء ما لم يكن عند عمرو بن العاص والمغيرة بن شعبة!

ولنا أن نقول: كان في تعريف الخليفة ابن عباس إلى ملا من المسلمين حكمة، فقد كان المنافس القوي للخلافة عليّ بن أبي طالب ابن عم الرسول الذي قال فيه رسول اللّه (ص): ((أنا مدينة العلم وعلي بابها))(28) وكان بمنزلة من العلم يعلمها العلماء وأهل البحث وكانوا يرجعون إليه في ما احتاجوا إلى معرفته.

وترشيح ابن عباس لمقام الافتاء وهو ضمن حاشية الخليفة فيه سدّ لهذه الخلّة.

إضافة إلى أنّه كان يتجمل بابن عم الرسول في حاشيته، وان ابن عباس وأُمّ المؤمنين عائشة كانا يعلمان كيف يفتيان ما لا يخالف سياسة الخلافة ويدل على هذا الامر ما رواه ابن كثير وقال: كان يقول للصحابة (أقلّوا الرواية عن رسول اللّه (ص) إلاّ في ما يعمل به)(29).

وما أوردناه عن عبد الرحمن بن عوف أنّه قال ما موجزه:

ما مات عمر بن الخطاب حتّى بعث إلى أصحاب رسول اللّه (ص) فجمعهم من الافاق فقال: ما هذه الاحاديث الّتي أفشيتم عن رسول اللّه (ص) في الافاق؟

قالوا: تنهانا؟!

قال: لا، أقيموا عندي، لا تفارقوني ما عشت، فنحن أعلم، نأخذ منكم ونرد عليكم.

فما فارقوه حتى مات(30).

فقد كان عند الصحابة أحاديث عن رسول اللّه محظورا عليهم روايتها وإذاعتها كما درسناها في بحث اختلاف المصاحف، ولابدّ أن يكون عند كل من أُمّ المؤمنين عائشة وابن عباس علم بالحديث المحظور روايته واذاعته. واعتمادا على درايتهما سياسة الخلافة كان الخليفة يستفتيهما، ويرجع الاخرين اليهما.


15 طبقات ابن سعد 8 / 375.

16 تاريخ ابن كثير 8 / 299.

17 صحيح البخاري 3 / 148 وتفسير القرطبي 20 / 232. وتفسير ابن كثير 4 / 561. وتاريخه 8/ 299، والمستدرك للحاكم 3 / 539. وأنساب الاشراف للبلاذري 3 / 230 ـ 231 وفي لفظة: (كان ناس من المهاجرين قد وجدوا على عمر في ادنائه ابن عباس دونهم)، تاريخ الاسلام للذهبي 3 / 32، 33، سير اعلام النبلاء 3 / 343 ط. مصر.

18 تفسير ابن كثير 4 / 533، وتاريخه 8 / 299، تاريخ الاسلام للذهبي 3 / 33.

19 المستدرك: 3 / 539.

20 تاريخ ابن كثير 8 / 299، تاريخ الاسلام للذهبي 31 / 33.

21 سير اعلام النبلاء 3 / 345.

22 تاريخ الاسلام للذهبي 3 / 33، وتاريخ ابن كثير 8 / 299.

23 تاريخ ابن كثير 8 / 299؛ وسير أعلام النبلاء 3 / 345 ـ 347؛ وفي ط. دار المعارف مصر، 3 / 224 ـ 241. وطبقات ابن سعد 2 / 366 ـ 370.

24 سير أعلام النبلاء 3 / 346 ـ 347.

25 صحيح البخاري 4 / 119، باب رجم الحبلى من الزنا من كتاب الحدود.

26 تاريخ ابن كثير 8 / 107 في ترجمة أبي هريرة.

27 البخاري 4 / 47، كتاب الادب، باب الانبساط؛ وطبقات ابن سعد ط. اوربا 8 / 40 ـ 45؛ ومسند أحمد 6 / 166 و 233 و 234.

28 أُسد الغابة، ترجمة الامام عليّ (ع) 4 / 22.

29 تاريخ ابن كثير 8 / 107.

30 كنز العمال، كتاب العلم، باب في آداب العلم والعلماء، فصل في رواية الحديث، طبعة حيدر آباد 10 / 180، الحديث رقم 1398؛ ومنتخبه بهامش مسند أحمد 4 / 62.