أخبار القرآن على عهد الخليفة عمر

أ ـ أمر الخليفة عمر بتجريد القرآن من حديث الرسول (ص):

نفذ الخليفة عمر الشعار الّذي رفعه الخليفة أبو بكر وأمر بتجريد القرآن من حديث الرسول (ص)، ومن ذلك ما رواه الطبري في ذكر سيرة عمر من تاريخه وقال:

كان عمر ـ اذا استعمل العمال خرج معهم يشيعهم فيقول.... جرّدوا القرآن وأقلّوا الرواية عن محمّد (ص) وانا شريككم(3).

في تذكرة الحفاظ عن قَرَظة بن كعب الانصاري قال: لما سيرنا عمر إلى العراق...

وفي طبقات ابن سعد قال: أردنا الكوفة فشيّعنا عمر إلى صِرار، فتوضّأ، فغسل مرّتين، وقال: تدرون لِمَ شيّعتُكم؟

فقلنا: نعم، تكرمة نحن أصحاب رسول اللّه (ص).

فقال: إنّكم تأتون أهل قرية لهم دَويّ بالقرآن كدويّ النحل، فلا تصدّوهم بالاحاديث فتشغلوهم، جَرّدوا القرآن وأقلّوا الرواية عن رسول اللّه (ص)، امضوا وأنا شريككم.

وفي مستدرك الحاكم قال قرظة: فلما قدم قرظة قالوا: حدثنا، قال نهانا ابن الخطاب.

وفي جامع بيان العلم وفضله قال قرظة: فما حدثت بعده حديثا عن رسول اللّه (ص)(4).

ومن موارده ما رواه الطبري وابن كثير وقالا:

لمّا بعث أبا موسى إلى العراق قال له: انّك تأتي قوما لهم في مساجدهم دوي بالقرآن كدويّ النحل فدعهم على ما هم عليه ولا تشغلهم بالاحاديث وأنا شريكك في ذلك(5).

وان قول الخليفة عمر (جرّدوا القرآن عن حديث الرسول (ص)) يدلّ على أنّه كان لدى الصحابة إلى ذلك العصر مصاحف كُتب فيها مع آي القرآن حديث الرسول (ص) في بيان آي القرآن والّذي قلنا في ما سبق أنّه كان يتلقّى الرسول (ص) ما يبينه في معاني الايات عن طريق الوحي من اللّه.

وكان الخليفة يطلب منهم ان يعلّموا المسلمين تلاوة القرآن، ولا يعلّموهم حديث الرسول (ص) في تفسير الايات كما كان ذلك ذلك شأن الاقراء في عصر الرسول (ص).

وقد بدأ بهذا الامر الخليفة الاول أبو بكر عندما قال: (... فلا تحدثوا عن رسول اللّه (ص) شيئا، فمن سألكم فقولوا: بيننا وبينكم كتاب اللّه، فاستحلوا حلاله، وحرموا حرامه).

غير أن الخليفة الثاني كان أكثر صراحة في هذا الشأن من قول الخليفة الاوّل، كما ذكرنا ذلك في بحث جمع القرآن.

هكذا كان الخليفة يمنع من إقراء القرآن كما كان على عهد الرسول (ص).

وكان الخليفة أحيانا يظهر عدم اهتمامه بتفسير القرآن، ومن مصاديقه ما روى المفسرون في تفسير سورة عبس واللفظللسيوطي عن أنس:

(أنّ عمر قرأ على المنبر (فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبّا * وَعِنَبا وَقَضْبا ـ إلى قوله ـ وَأَبّا) قال كل هذا عرفناه فما الابّ ثمّ رفع عصا كانت في يده فقال: هذا لعمر اللّه هو التكلف، فما عليك ان لا تدري ما الابّ، اتبعوا ما بين لكم هداه من الكتاب فاعملوا به وما لم تعرفوه فكلوه إلى ربّه)(6).

* * *

كان ذلكم في ما يخص نفسه وأمّا مع الاخرين ممّن يسأل عن تفسير القرآن فكان شأنه كالاتي خبره.

ونهى عن السؤال عن تفسير القرآن وضرب عليه كما روى السيوطي بتفسير (وفاكهة وأبّا) وقال: (إنّ رجلا سأل عمر عن قوله ((وأبّا)) فلما رآهم يقولون كذا أقبل عليهم بالدرة)، والدرة سوط يضرب به وقد جلد عليه وأدمى وسجن ونفى كما نقرأ كل ذلك في الخبر الاتي.

ب ـ تنكيل الخليفة بمن يسأل عن تفسير القرآن:

جاء في سنن الدارمي وتفسير القرطبي والاكمال لابن ماكولا وتاريخ ابن عساكر خبر صبيغ بن عسل:

قال ابن ماكولا في الاكمال: صبيغ بفتح الصاد وكسر الباء، وعسل بكسر العين وسكون السين، وعسيل بضم العين وفتح السين. وكان يسأل عن المشكلات الّتي في القرآن فنفاه عمر من المدينة إلى العراق، وأمر أن لا يجالس.

وفي تاريخ ابن عساكر:

(صبيغ) بن عسل ويقال: ابن عسيل، ويقال: صبيغ بن شريك بن عمرو بن يربوع بن حنظلة التميمي اليربوعي البصري الّذي سأل عمر بن الخطاب عما سأل فجلده وكتب إلى أهل البصرة: لا تجالسوه.

وفي رواية فأرسل إليه عمر وقد أعد له عراجين النخل فقال: من أنت؟ فقال: أنا عبداللّه صبيغ، فأخذ عمر عرجونا من تلك العراجين فضربه وقال: أنا عبداللّه عمر، وما زال يضربه حتى أدمى رأسه فقال: يا أمير المؤمنين حسبك قد ذهب الّذي كنت أجد في رأسي.

وفي رواية أُخرى:

انّه جعل يسأل عن متشابه القرآن في أجناد المسلمين حتى قدم مصر فبعث به عمرو بن العاص إلى عمر بن الخطاب، فلما أتاه الرسول بالكتاب فقرأه فقال: أين الرجل؟ أبصر لا يكون ذهب فتصيبك مني العقوبة الوجيعة؟ فأتى به فقال عمر: سبيل محدثة، فارسل إلى رطائب من جريد فضربه بها حتى ترك ظهره دبرة، ثمّ تركه حتى برئ، ثمّ عاد له ثمّ تركه حتى برئ، فدعا به ليعود، فقال صبيغ: إن كنت تريد قتلي فاقتلني قتلا جميلا، وإن كنت تريد أن تداويني فقد واللّه برئت فأذن له إلى أرضه، وكتب إلى أبي موسى الاشعري أن لايجالسه أحد من المسلمين فاشتد ذلك على الرجل فكتب أبو موسى إلى عمر أن قد حسن أمره، فكتب إليه عمر أن ائذن للناس بمجالسته. وروى الخطيب هذه الحكاية بنحوها والحافظ ابن عساكر أيضا عن أبي عثمان النهدي، وروى عنه الخطيب أنّه قال: كتب إلينا عمر لا تجالسوا صبيغا، فلو جاءنا ونحن مائة لتفرقنا عنه، وروي عن ابن سيرين أمر أن يحرم من عطائه ورزقه، وروي أيضا عن زرعة أنّه قال: رأيت صبيغا كأنّه بعير أجرب يجيء إلى الحلقة ويجلس وهم لا يعرفونه فتناديهم الحلقة الاُخرى عزمة أمير المؤمنين عمر فيقومون ويدعونه. وفي رواية الخطيب: أن عمر أمر أن يقوم خطيب فيقول: ألا إن صبيغا طلب العلم فأخطأه فلم يزل وضيعا في قومه بعد أن كان سيدا فيهم(7).

* * *

ما ذكرناه آنفا يوضح بجلاء سياسة الخليفة في تجريد القرآن عن حديث الرسول (ص) ويوافق هذه السياسة سياسته في منع نشر حديث الرسول (ص) كالاتي خبره.


3 تاريخ الطبري ط. أوربا 5 / 2741 وط. دار المعارف بمصر سنة 1963م 4 / 204.

4 جامع بيان العلم للخطيب البغدادي ط. المدينة المنوّرة سنة 1388ه 2 / 147، وتذكرة الحفاظ 1 / 7، وسنن الدارمي 1 / 85، وسنن ابن ماجة، المقدّمة، باب التوقي في الحديث عن رسول اللّه (ص) 1 / 12، ومستدرك الحاكم 1 / 102. طبقات ابن سعد ط. بيروت 6 / 7. وكنز العمال 2 / 183. وقرظة بن كعب أنصاري خزرجي، في أُسد الغابة هو أحد العشرة الّذين وجههم عمر مع عمار بن ياسر إلى الكوفة. شهد أُحدا وما بعدها، وفتح الري سنة 23. وولاه علي على الكوفة لما سار إلى الجمل، وتوفي بها في خلافته. أُسد الغابة 4 / 203.

5 الطبري 1 / 2741، وتاريخ ابن كثير 8/ 107.

6 تفسير الطبري 30 / 38، وتفسير السورة في مستدرك الصحيحين وتلخيصه 2 / 514 وقالا: صحيح على شرط الشيخين، وتفسير الدرّ المنثور 6 / 317، والاتقان 1 / 115، وفتح الباري 17 / 30. وتفسير ابن كثير 4 / 473.

7 ترجمته بمصورة مخطوطة ابن عساكر (8 / 1، 116أ ـ 118أ) سنن الدارمي 1 / 54، 55 ـ 56. تفسير ابن كثير 4 / 231 ـ 232. تفسير الدرّ المنثور 6 / 111. تفسير القرطبي 17 / 29. والاكمال لابن ماكولا 5 / 221. واخترنا لفظ ابن عساكر في المتن.