سياسة الحكم في شأن القرآن:
مرّ بنا في ذكر نظام الاقراء على عهد رسول اللّه أنّه (ص) كان يقرئهم عشر آيات فلا يجاوزونها حتّى يعلمهم ما فيها من العلم والعمل، ولفظ الرسول (ص) الّذي كان يعلمهم به ما في الايات من العلم والعمل يسمى في المصطلح الاسلامي بحديث الرسول، فانهم كانو يتعلمون من الرسول (ص) القرآن وحديث الرسول الّذي يفسر القرآن.
هذا ما كان على عهد الرسول (ص)، ووجد في عصر أبي بكر ما رواه الذهبي وقال: أن أبا بكر جمع الناس بعد وفاة نبيهم، فقال: انكم تحدثون عن رسول اللّه (ص) أحاديث تختلفون فيها والناس بعدكم أشد اختلافا، فلا تحدثوا عن رسول اللّه (ص) شيئا، فمن سألكم فقولوا: بيننا وبينكم كتاب اللّه فاستحلوا حلاله، وحرموا حرامه(1).
نظرة في هذا الخبر وهذه التوصية:
إنّ هذه التوصية وردت بلفظ آخر من الخليفة عمر حين قال: (جرّدوا القرآن...) كما يأتي بيانه في خبر القرآن على عهده، وهو مؤدَّى الشعاررفعه عمر يوم وفاة الرسول (ص) عندما طلب منهم الرسول (ص) وقال ((هلم أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده)).
فقال عمر: عندنا كتاب اللّه حسبنا كتاب اللّه.
إذا فالغاية من كلّ هذه المحاولات منع انتشار حديث الرسول (ص) سواء كان تفسيرا للقرآن، أم كان في بيان أمر آخر.
ترى ما السبب في ذلك؟!
أما الخليفة أبو بكر، فقد علَّل نهيه عن التحديث عن رسول اللّه (ص) بانهم سوف يختلفون فيها.
* * *
وسوف نرى في ما يأتي ـ إن شاء اللّه تعالى ـ وندرك ان سبب نهيهم عن نشر حديث الرسول (ص) تخوفهم من انتشار ما يخالف سياسة الحكم عندهم.
وكان من جملة حديث رسول اللّه (ص) المنهي عن نشره ما كان تفسير الايات من القرآن الّتي فيها فضيلة لمنافسي سلطة الخلفاء أو منافسي قبيلتهم قريش، ولهذا السبب أصدر الخليفة أبو بكر مرسومَ (لا تحدثوا عن رسول اللّه شيئا، فمن سألكم فقولوا: بيننا وبينكم كتاب اللّه، فاستحلوا حلاله، وحرموا حرامه).
ورفع قبله عمر شعار حسبنا كتاب اللّه.
وسوف نرى في ما يأتي كيف أصبح الكلامان شعارا لسياسة الخلفاء في شأن القرآن وحديث الرسول وكيف نفذوهما بكل اتقان مصحوبا ـ غالبا ما ـ بشدة وعنف في عهد الخليفتين عمر وعثمان خاصة.
وندرس كل ذلك في البحوث الاتية إن شاء اللّه تعالى.