3 ـ اين كان القرآن الّذي جمعه الامام عليّ:
كل الروايات الماضية لم تعين أين كان القرآن الّذي جمعه الامام بعد وفاة الرسول (ص)، وقد عيّن الامام الصادق جعفر بن محمّد من أين أخذ الامام ذلك القرآن، وقال: إنَّ رسول اللّه (ص) قال لعلي: يا عليُّ القرآن خلف فراشي في المصحف والحرير والقراطيس، فخذوه، واجمعوه، ولا تضيّعوه كما ضيّعت اليهود التوراة.
فانطلق عليُّ فجمعه في ثوب أصفر، ثمَّ ختم عليه في بيته. وقال: لا أرتدي حتّى أجمعه.
وإن كان الرجل ليأتيه فيخرج إليه بغير رداء حتّى جمعه.
قال: وقال رسول اللّه (ص): لو أنَّ النّاس قرأوا القرآن كما أُنزل ما اختلف اثنان(83).
وفي البحار ـ ايضا ـ عن أبي رافع أنّه قال: إنّ النبيّ (ص) قال في مرضه الّذي توفّي فيه لعليّ: يا عليُّ! هذا كتاب اللّه خُذه إليك.
فجمعه عليُّ في ثوب، فمضى إلى منزله، فلمّا قبض النبيُّ (ص) جلس عليُّ فألّفه كما أنزله اللّه، وكان به عالما(84).
وقال السيوطي: (كان القرآن كتب كله في عهد رسول اللّه (ص) لكن غير مجموع في موضع واحد ولا مرتب السور)(85).
وأصدق القول في هذا الخبر وأجمعه قول الامام الّذي رواه الطبرسي وغيره، قال:
ولقد جئتهم بالكتاب كَملا مشتملا على التأويل والتنزيل(86).
دراسة الخبر:
أ ـ التنزيل: المراد بالتنزيل هنا القرآن الّذي أنزل اللّه لفظه على الرسول (ص) كما يظهر ذلك من قوله تعالى:
(حم * تَنزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ * كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنا عَرَبِيّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ). (فصّلت / 1 ـ 3)
ب ـ التأويل: ما يؤول إليه اللفظ، والمراد منه هنا بيان الايات الّتي بلغها الرسول (ص).
ج ـ الكتاب: جاء تفسيره في قوله بعده: (كملاً مشتملاً على التأويل والتنزيل) أي كان الكتاب الّذي حمله الامام إليهم كاملا مشتملا على القرآن الّذي أوحى اللّه لفظه إلى رسوله (ص) مع بيان الايات وتفسيرها، الّتي أوحى اللّه إلى الرسول (ص) معناها وبلغها الرسول (ص) بلفظه إلى أصحابه عامة وإلى ابن عمّه خاصّة. وكذلك كانت مصاحف الصحابة قبل أن يجردوها عن حديث الرسول (ص).
وعلى هذا فإنّ في كلام الامام تعريضا بالمصاحف الّتي جردت من حديث الرسول (ص) بعد الرسول (ص) وتصريحا بأن المصحف الّذي جاء به إليهم كان كاملا لم ينقص منه حديث الرسول (ص) في بيان الايات. وفي ضوء كلام الامام يجوز لنا أن نفسر اختلاف مصاحف الصحابة بوجود بيان الرسول (ص) في تفسير الايات ببعض مصاحف الصحابة دون بعض الاخر، وأنّه لم يكن الاختلاف بينها في النص القرآني.
ولولا أنّ القرآن الّذي جمعه الامام علي بعد وفاة رسول اللّه (ص) مباشرة كان في بيت رسول اللّه (ص) ولم يكن قبل ذلك في بيت الامام علي لما اقتضى الامر أن يهتم الامام بأمر جمعه بعد وفاة رسول اللّه (ص) مباشرة وأن لا يغادر بيته ولا يرتدي رداءه، حتى يجمعه.
وبناء عليه فإنّ القرآن الّذي أخذه الامام عليّ من بيت رسول اللّه (ص) وجمعه هو القرآن الّذي كان رسول اللّه (ص) يأمر كتّابه بتدوين آياته عند نزولها بإشرافه، غير ان ذلك القرآن كان موزَّعا في صحف ورقاع وما شابههما فجمعها الامام بضم بعضها إلى بعض في ثلاثة أيام.
ولابدّ أن يكون مع الايات الّتي دونت بأمر الرسول (ص) ما أوحى اللّه ـ تعالى ـ إليه في شرح ما يحتاج إلى الشرح والبيان مثل بيان عدد ركعات الصلاة واذكارها وشأن نزول الايات وفي أي مناسبة نزلت، ولذلك كانوا يقولون (لو أُصيب ذلك الكتاب كان فيه علم).
ولو كان مكتوبا فيه الايات دون شرح لما قالوا ذلك، وبما أن عصبة الخلافة كانوا يعلمون أن في ما دوّن في ذلك المصحف في بيان الايات بأمر الرسول (ص) وممّا أُوحي إليه يخالف سياسة الحكم أبوا أن يقبلوا ذلك المصحف فرجعه الامام إلى بيته، وورثه من بعده الائمة من بنيه كابرا بعد كابر.
وينبغي أن نشير هنا أن الرسول (ص) كان قد أعد وصيَّه الامام عليّا (ع) في حياته للقيام بهذا العمل، فقد روى ابن سعد في طبقاته بسنده عن الامام عليّ (ع) انّه قال: واللّه ما نزلت آية إلاّ وقد علمت في ما نزلت، وأين نزلت، وعلى من نزلت، إن ربي أعطاني قلبا عقولا ولسانا ناطقا.
وقال: سلوني عن كتاب اللّه فانه ليس من آية إلاّ وقد عرفت بليل نزلت أم بنهار في سهل نزلت أم في جبل(87).
وقد تأتى له ذلك بما اختصَّ به من قربى رسول اللّه (ص) وقربه.
روى النِّسائي وابن ماجة وأحمد واللفظ للاول بسندهم عن الامام علي أنّه قال: كانت لي منزلة من رسول اللّه (ص) لم تكن لاحد من الخلائق، فكنت آتيه كل سحر، فأقول: السلام عليك يا نبي اللّه، فان تنحنح انصرفت إلى أهلي، وإلاّ دخلتُ عليه.
وقال: كان لي من رسول اللّه (ص) ساعة آتيه فإذا أتيته فيها استأذنت، ان وجدته يصلي تنحنح، وان وجدته فارغا أذن لي.
وقال: كان لي من رسول اللّه (ص) مدخلان: مدخل بالليل، ومدخل بالنهار، فكنت إذا دخلت بالليل تنحنح(88).
وقد روى زيد بن عليّ بن الحسين (ع) هذا الخبر عن جده وقال:
قال أمير المؤمنين (ع) : ما دخل في رأسي نوم ولا عهد إليَّ رسول اللّه (ص) حتّى علمت من رسول اللّه (ص) ما نزل به جبرائيل في ذلك اليوم من حلال أو حرام أو سنة أو أمر أو نهي في ما نزل فيه وفي من نزل.
قال الراوي: فخرجنا، فلقينا المعتزلة، فذكرنا ذلك لهم، فقالوا: ان هذا الامر عظيم كيف يكون هذا وقد كان أحدهما يغيب عن صاحبه فكيف يعلم هذا؟
قال : فرجعنا إلى زيد فأخبرناه بردهم علينا، فقال: يتحفظ على رسول اللّه (ص) عدد الايام الّتي غاب بها، فاذا التقيا، قال له رسول اللّه (ص): يا عليّ! نزل علي يوم كذا: كذا وكذا وفي يوم كذا: كذا وكذا، حتى يعدهما إلى آخر اليوم الذي وافى فيه ما خبرناهم بذلك(89).
وقد يوجه إلينا في هذا المقام سؤال آخر وهو:
إنْ كان في ما جمعه الامام (ع) من بيت الرسول (ص) ما يحتاجه الناس في فهم القرآن فما جدواه بعد أن أخذه الامام إلى بيته وأخفاه؟
والجواب: ان اللّه ـ سبحانه ـ بمقتضى وعده في قوله: (إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ) وقوله:(ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ) جمع في صدر الرسول (ص) وبينه له، والرسول (ص) بمقتضى رسالته بلغ من حضره ما احتاجوها منها وأمر وصيه الّذي كان قد أعده لذلك يجمعه في مصحف بعد وفاته، ففعل ذلك، ثمّ أخرجه إلى الناس، وعرضه عليهم، ولما امتنعوا من قبوله أخفاه يومذاك كي لا يصيب ما جمعه ما أصاب مصاحف سائر الصحابة من الحرق كما سنبينه في ما يأتي ـإن شاء اللّه تعالى ـ، وبفعله ذلك حفظ ما جمعه من بيت الرسول من التلف آنذاك، ثمّ ورثه الائمة من ولده، ليفيضوا من علمه طوال القرون على من شاء أن يأخذ منهم علوم القرآن، وقد قال اللّه ـ سبحانه ـ: (كَلا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ * فَمَن شَاء ذَكَرَهُ) وقال ـ تعالى ـ: (أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنتُمْ لَهَا كَارِهُونَ) حتّى إذا ظهر المهدي (ع) من ولده وحكم الناس أظهره بأمر اللّه ـ جل اسمه ـ وأمر بتعليم الناس إياه في مسجد الكوفة: كما سنشرحه في المجلد الثالث من هذا الكتاب إن شاء اللّه تعالى.
لاينافي ما ذكرناه حول هذه النسخة من القرآن وتفسيره الخاص بالرسول (ص) وجود نسخ أُخرى لدى الصحابة ومن ضمنهم الامام علي (ع) يكون مع بعضها ما انتهى إليهم من بيان من الرسول حول بعض الايات كما سندرسه في البحث الاتي إن شاء اللّه تعالى.
* * *