ينبغي أن ندرس من خبر تدوين الامام علي القرآن ما يأتي:

1 ـ اهتمام الامام علي (ع) بجمع القرآن:

من أجل أن نفهم مغزى هذا العمل من الامام ينبغي ان ندرسه مقارنا باهتمامه تجهيز جثمان الرسول في حين ان الصحابة اهتموا

بأمر الخلافة وانصرفوا.

ذكرنا في أخبار السقيفة الانفة:

أن الانصار عندما توفي الرسول (ص) اجتمعوا في سقيفة بني ساعدة وتبعهم المهاجرون يتجالدون على أمر الخلافة، وتركوا جثمان الرسول (ص) بين أهله يُغسله الامام علي (ع) ومن معه، ولما انتهى اليهم خبر السقيفة أراد العباس أن يبايع الامام، فأبى، وقال: لنا بجهاز رسول اللّه شغل.

ولم يفارق جثمان الرسول (ص) حتى صلى المسلمون عليه بقية يوم الاثنين وتمام يوم الثلاثاء ثمّ دفنه (ص) ليلة الاربعاء بعد ان تمت البيعة لابي بكر.

وكان عملهم ذلك بعد وفاة الرسول نظير عملهم في حياته كما أخبر اللّه ـ تعالى ـ عنه وقال في سورة الجمعة:

(وَإِذَا رَأوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوا انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِما قُلْ مَا عِنَد اللّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ...). (الجمعة / 11)

وروى الطبري والقرطبي والسيوطي في شأن نزول هذه الاية بتفاسيرهم وقالوا:

قدمت المدينة تجارة معها طبل ـ فانصرفوا إليها ـ وتركوا رسول اللّه (ص) قائما على المنبر ، وبقي منهم في المسجد اثنا عشر رجلا وسبع نسوة أو أقل من ذلك يخطب خطبة صلاة الجمعة، فقال رسول اللّه (ص): لو تتابعتم لتأجج الوادي نارا(80).

* * *

كان ذلك موقف الامام علي من جثمان الرسول ومن القرآن بعد وفاة الرسول(ص)، وقد درسنا خبره مع جثمان الرسول في أخبار السقيفة، وندرس في ما يأتي عمل الامام في جمعه للقرآن بعد وفاة الرسول.

2 ـ كيف جمع الامام القرآن مع تأويله وتنزيله بعد وفاة الرسول (ص):

قالوا ما موجزه: لما انتهى الامام علي من جهاز رسول اللّه (ص) جلس في بيته وانكب على القرآن يجمعه مع تنزيله وتأويله وما فيه من ذكر الحكم الناسخ والحكم المنسوخ فبعث إليه أبو بكر بعد ان تمت البيعة له يدعوه إلى بيعته، فاجابه أني لمشغول بالقرآن أجمعه، وآليت على نفسسي ألاّ أرتدي رداء إلاّ للصلاة.

خلاصة الروايات:

أ ـ اتفقت الروايات على ما ذكر مع اختلاف في التعبير، وشذ من روى مثل ابن أبي داود في ص 10 من المصاحف أن أبا بكر أرسل إلى الامام فقال: (أكرهت إمارتي يا أبا الحسن؟ قال: لا واللّه...)(81).

فقد أوردنا في خبر السقيفة عن صحيح البخاري وغيره ان الامام لم يبايع حتّى توفيت ابنة رسول اللّه (ص).

ب ـ اتفق محتوى الروايات على ان الامام كان قد جمع القرآن جمعا كما نسميه اليوم بالتفسير، فقد قال ابن سيرين: كتب فيه الناسخ والمنسوخ، وليس المقصود الايات الّتي تسمى بالناسخة والمنسوخة، وإلاّ لقال: الناسخ والمنسوخة، ثمّ إنّ إيراد الايات المسماة بالناسخة والمنسوخة لا يخص ما كتبه الامام بل إنّه عام لكل من كتب القرآن.

ويؤيد ذلك قول ابن سيرين ((فلو اصيب ذلك الكتاب كان فيه علم)) فانّه لو كان ما كتبه الامام مجردا عن التفسير كما دون القرآن بعد ذلك وتناولته الايدي إلى عصرنا لما خصّ ابن سيرين القول في ما كتبه الامام بأنّ فيه علما(82).

ج ـ اتفق محتوى الروايات بان أحدا لم ير ما كتبه الامام علي فما خبره؟

نجد تمام الخبر عند سليم حين يروي عن سلمان أن الامام جاء به إلى المسجد، وعرضه عليهم، فامتنعوا من قبوله، فدخل علي بيته مع ما كتب.

د ـ وبناء على ما أثبتناه من روى شيئا عن ذلك الكتاب غير الائمة من أولاد الامام علي كان عمله رجما بالغيب ولا يصدق.


80 أخرج الروايات مسلم في كتاب الجمعة 2 / 590 من صحيحه مفصلا، والبخاري في صحيحه، كتاب الجمعة، باب إذا نفر الناس عن الامام 1 / 116.

81 تاريخ الخلفاء ص 165؛ والصواعق المحرقة ص 126؛ وطبقات ابن سعد 2 / 338؛ وكنز العمال 2 / 373؛ وأنساب الاشراف 1 / 587.

82 تاريخ القرآن ص 185؛ وأعيان الشيعة 1 / 89 عن عدّة الرجال للاعرجي؛ وأوائل المقالات ص 55؛ وبحر الفوائد ص 99.