أخبار القرآن بعد الرسول (ص)

أوردنا في ما سبق أخبار القرآن في حياة الرسول، ونذكر في ما يأتي أخبار القرآن بعد وفاة الرسول بدءا بما يتصل خبره بحياة الرسول (ص) بحوله تعالى.

من المؤسف حقا: أن العلماء لم يفكروا في ان الرسول (ص) الّذي بعث لتبليغ القرآن وجمعه وبيانه كما شرحناه في أول البحث كان يستكتب أربعين كاتبا لما يعنيه من أمر، وكان كلما نزلت آية أمر بعضهم أن يكتبها في مكانها من السورة الّتي عينها اللّه كذلك، هل حفظ هذا الرسول (ص) نسخة من القرآن خاصة به في بيته أم لم يفعل؟

إنّ العلماء لم يفكروا في هذا الامر ليبحثوا في مضامين الاخبار والاحاديث لعلهم يجدون في هذا الشأن خبرا وأثرا، ووفقنا اللّه تعالى ذكره لذلك وتوصلنا إلى النتيجية الاتية بمنه وكرمه:

أمر الرسول (ص) الامام عليا أن يجمع القرآن الّذي كان في بيته(69):

أ ـ روى النديم في الفهرست / ص 41 بسنده عن علي (ع) وقال: انّه رأى من الناس طيرة عند وفاة النبيّ (ص)، فأقسم انّه لا يضع عن ظهره رداءه حتى يجمع القرآن، فجلس في بيته ثلاثة أيام حتّى جمع القرآن، فهو أول مصحف جمع فيه القرآن من قلبه...(70).

ب ـ في حلية الاولياء لابي نعيم بسنده عن الامام علي أنّه قال: لمّا قبض رسول اللّه (ص) أقسمت أن لا أضع ردائي عن ظهري حتّى أجمع ما بين اللوحين، فما وضعت ردائي حتى جمعت القرآن(71).

ج ـ روى السيوطي في الاتقان بسنده عن ابن سيرين انّه قال عن الامام علي (ع): (أنّه كتب في مصحفه الناسخ والمنسوخ وانّه قال: تطلبت ذلك الكتاب وكتبت فيه إلى المدينة فلم أقدر عليه)(72).

د ـ روى ـ أيضا ـ ابن سعد في الطبقات عن ابن سيرين انّه كتبه على تنزيله فلو اصيب ذلك الكتاب كان فيه علم(73).

هـ في كتاب سليم بن قيس قال: روى عن الصحابي سلمان أنّه أخبر عن الامام (ع) بعد وفاة النبيّ (ص) وقال:

لزم بيته، وأقبل على القرآن يؤلفه ويجمعه، فلم يخرج من بيته حتّى جمعه، فكان في الصحف والشظاظ والاسيار والرقاع، فلمّا جمعه كلّه وكتبه بيده، تنزيله وتأويله والناسخ منه والمنسوخ، بعث إليه أبو بكر أن أُخرج فبايع.

فبعث إليه علي (ع) إنِّي لمشغول، وقد آليت على نفسي ان لا أرتدي رداء إلاّللصلاة، حتى أؤلف القرآن وأجمعه. فسكتوا عنه أياما، فجمعه في ثوب واحد وختمه، ثمّ خرج إلى الناس وهم مجتمعون مع أبي بكر في مسجد رسول اللّه (ص)، فنادى علي (ع) بأعلى صوته: أيُّها الناس! إنِّي لم أزل منذ قبض رسول اللّه (ص) مشغولا بغسله، ثم بالقرآن حتى جمعته كله في هذا الثوب الواحد، فلم ينزل اللّه على رسول اللّه آية إلاّ وقد جمعتها، وليست منه آية إلاّ وقد أقرأنيها رسول اللّه وعلمني تأويلها، ثمّ قال لهم علي (ع) لئلاّ تقولوا غدا إنّا كنا عن هذا غافلين، ثمّ قال لهم علي (ع): لا تقولوا يوم القيامة إنِّي لم أدعكم إلى نصرتي، ولم أُذكركم حقي، ولم أدعكم إلى كتاب اللّه من فاتحته إلى خاتمته.

فقال له عمر: ما أغنانا بما معنا من القرآن ممّا تدعونا إليه، ثمّ دخل علي(ع) بيته(74).

وانفرد اليعقوبي في تاريخه (2 / 134) وجاء عن بعضهم انّه قال: (ان علي ابن أبي طالب كان جمعه ـ أي القرآن ـ لما قبض النبي (ص) وأتى به يحمله على جمل، فقال: هذا القرآن قد جمعته وكان قد جزأه سبعة أجزاء فالجزء الاوّل...).

وقال الكلبي:

لمّا توفي رسول اللّه (ص) قعد عليّ بن أبي طالب (ع) في بيته فجمعه على ترتيب نزوله. ولو وجد مصحفه لكان فيه علم كبير(75).

وقال عكرمة:

لو اجتمعت الانس والجن على أن يألفوه كتأليف علي بن أبي طالب (ع) ما استطاعوا(76).

وأرى الصحيح في ذلك ما رواه الشهرستاني من أنّه حمله وغلامه، وانّه كان حمل بعير، في مقدمة تفسيره مفاتيح الاسرار ومصابيح الابرار في تفسير القرآن:

أنّه كان في مصحفه المتن والحواشي.

ويروي انّه لما فرغ من جمعه أخرجه هو وغلامه قنبر إلى الناس، وهم في المسجد يحملانه ولا يقلانه.

وقيل انّه كان حمل بعير، وقال لهم هذا كتاب اللّه كما انزل اللّه على محمّد(ص) جمعته بين اللوحين.

فقالوا: ارفع مصحفك لا حاجة بنا إليه.

فقال: واللّه لا ترونه بعد هذا أبدا، إنما كان عليَّ ان اخبركم به حين جمعته. فرجع إلى بيته...(77).

اذا فقد حمله الامام مع غلامه قنبر، وكان حمل بعير، وليس حمله على جمل وذلك لان بيت الامام علي كان بابه يفتح إلى المسجد.

وينبغي لنا أن ندرس خبر سليم بن قيس وأصله.


69 كما سيأتي في بحث: اين كان القرآن الّذي جمعه الامام علي الاتي.

70 الفهرست للنديم ص 41 ـ 42 وقريب منه في الاتقان للسيوطي 1 / 59 وطبقات ابن سعد 2 / 338. وما جاء في بعض الروايات: (جمع فيه القرآن من قلبه) وفي أُخرى: (وكتبه بيده) إمّا أن يكون من أوهام الرواة أو من أوهام النساخ فانّه لايتيسر كتابة القرآن عن ظهر قلب في ثلاثة أيّام، ثمّ إنّهم اتفقوا على انّه كان في تلك النسخة علم أي تفسير الايات وعليه فلا يتيسر كتابته في ثلاثة أيّام وإنّما الّذي قام به الامام علي (ع) ربط ما كتب من آي السور بعضها ببعض الاخر بخيط.

71 حلية الاولياء لابي نعيم 1 / 67؛ وتاريخ القرآن للابياري ص 84.

72 الاتقان للسيوطي 1 / 59؛ ومناهل العرفان 1 / 247؛ وطبقات ابن سعد 2 / 338؛ والصواعق المحرقة ص 126؛ وتاريخ القرآن للزنجاني ص 48.

73 طبقات ابن سعد 2 / 338؛ وط. أوربا 2 / ق 2 / 101؛ وتاريخ الخلفاء ص 185؛ وكنز العمال 2 / 373؛ والصواعق المحرقة ص 126.

74 كتاب سليم بن قيس الهلالي ص 18 ـ 19، وذكر ابن كثير موجز هذه الاخبار في (فضائل القرآن من ذيل تفسيره) ص 28.

75 التسهيل لعلوم التنزيل 1 / 4.

76 الاتقان للسيوطي 1 / 59.

77 تفسير الشهرستاني، المقدّمة، الورقة 15أ.