خلاصة البحوث:
كانت قبيلة قريش في الجاهلية بحكم أحوالها الاجتماعية والجغرافية ذات طبيعة استكبارية استعلائية، فقد كانت ترى في نسبها أنّها من سلالة نبي اللّه إسماعيل وإبراهيم 8 دون جميع قبائل العرب، وأنّها في أحسابها تتشرف بسدانة بيت اللّه الحرام والقيام باطعام ضيوف اللّه من جميع قبائل العرب في الحج واروائهم، وتقام حوالي بلدهم أسواق العرب.
وتضيف إلى حسابها اهلاك اللّه جيش ابرهة الغازي لبلدها، وازدادت تعاليا وبغيا وطغيانا بامتلاكها ثروات ضخمة بسبب تجارتها في رحلتي الشتاء والصيف، وصدق اللّه العظيم حيث يقول: (إِنَّ الاْ ِ نْسَانَ لَيَطْغَى * أَن رَآهُ اسْتَغْنَى).
وبسبب ما أنعم اللّه عليها من الامن والدعة لمكان بيت اللّه الحرام في بلدهم في حين ان الانسان العربي كان من حولهم يتخطف في غير الاشهر الحرم ويغزو بعضهم البعض الاخر ويقتل ويسبي ويسلب.
أدّى كل ذلك بهم إلى التمادي في أنواع الدعارة والفجور، في هذه الاحوال ومن هذه القبيلة المستكبرة المتغطرسة أرسل اللّه من أوسطها نسبا وأشرفها حسبا خاتم أنبيائه محمّدا (ص) إلى الناس كافة بشيرا ونذيرا فقابلته قريش، وقاومته بكل ما أُوتيت من حول وقوّة وعذّبت المستضعفين ممّن آمن به إلى حد الموت كما مرّ بنا بعض أخبارهم في بحث المجتمع الّذي نزل فيه القرآن. فأوعز النبي إلى المؤمنين أن يهاجروا إلى الحبشة بعيدا عن بلدهم وعن كل ما يملكون فيه من وسائل الحياة وحفظ اللّه نبيّه بحماية شيخ مكة وسيدها أبي طالب إيّاه، حتّى إذا توفي ناصره وحاميه تآمرت قريش على قتله بعد ان التقى به رجال من الاوس والخزرج في الحج في عامين متواليين وبايعوه على القيام بنصرته وتسلّل إلى المدينة متدرّجا من استطاع ممّن بقي من المؤمنين به، وخرج هو في ليلة تآمرهم على قتله من مكة والتحق بهم في المدينة وأشاد فيها أوّل مجتمع إسلامي أسس بنيانه على التآخي بين أهله من الاوس والخزرج ومن هاجر إليهم من قريش والتآلف والتحالف مع مواطني المدينة من اليهود فلم تتركه قريش وشأنه في مهجره، بل جهّزت لقتاله جيشا بعد جيش، فأذن اللّه لرسوله قتالهم وقال ـ سبحانه ـ:
(أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ * الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللّهُ...). (الحجّ / 39 ، 40)
وواجهت قريش رسول اللّه (ص) في معارك أشهرها: بدر وأُحد والخندق وفي خلال حروبه مع قريش قلبت له حلفاؤه اليهود ظهر المجنّ، ونقضت ما عاهدوا اللّه عليه، وحاولوا اغتياله فأجلى منهم قبيلتين من المدينة.
وفي غزوة الخندق تآمرت عليه آخر قبيلة بقيت منهم في المدينة مع قريش وحلفائها فأخزاهم اللّه جميعا ورجعت قريش خائبة وقضى اللّه ورسوله على شأن اليهود في المدينة.
وفي السنة السادسة من الهجرة وقعت مناظرة بين الانصار والمهاجرين بسبب شجار وقع بين أجيرين: القرشي المهاجري والانصاري القحطاني أظهر بسببه عبداللّه بن أُبي أحد زعماء الانصار نفاقه وقال: (لَئِنْ رَجَعْنَا إِلىَ الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الاْ َعَزُّ مِنْهَا الاْ َذَلَّ).(المنافقون / 8)
قصد من الاعزّ نفسه ومن الاذلّ المهاجرين من قريش، فأخزاه اللّه وأذلّه، وكشف عن نفاقه في ما أنزل على نبيه من القرآن في سورة المنافقين.
كان ذلكم مثالا واحدا يكشف عما يدور في خلد ضعاف النفوس من أفراد قبائل اليمانيين في المدينة.
ومثال آخر منه ما جرى في خبر أبي عامر الفاسق كما سبق ذكره.
وإلى هذا المجتمع انتقل المهاجري القرشي بأحسابه وأنسابه كما ينجلي ذلك:
أوّلا: في قول أبي بكر لسلمان وصهيب وبلال عندما قالوا في شأن أبي سفيان: واللّه ما أخذت سيوف اللّه من عنق عدوّ اللّه مأخذها. قال أبو بكر: أتقولون هذا لِشيخ قريش وسيِّدهم؟
ثانيا: في ما رواه عبداللّه بن عمرو بن العاص وقال: نهتني قريش وقالوا تكتب كل شيء سمعته من رسول اللّه (ص) ورسول اللّه بشر يتكلم في الرضا والغضب... الحديث، كما مرّ تفصيل الخبرين في ما سبق.
وفي السنة السابعة من الهجرة وادع رسول اللّه (ص) قريشا، وتفرغ بعد ذلك لليهود، واتّجه إلى مراكز التآمر على المسلمين في خيبر وفتح حصونهم حصنا بعد حصن وقراهم في وادي القرى قرية بعد قرية، ولم يبق بعد ذلك في الحجاز قوّة يهودية تتآمر على الاسلام والمسلمين.
وعاهدت نصارى نجران الرسول (ص) وعلى أثر ذلك بدأت قبائل العرب ترسل وفودها إلى الرسول (ص) تعلن إسلامها، وفي هذا الحال نقضت قريش عهدها في صلح الحديبية مع الرسول (ص)، وقتلت من خزاعة حلفاء الرسول(ص) فسار الرسول إلى مكة في السنة الثامنة من الهجرة مع عشرة آلاف من المسلمين فاستسلمت قريش، ودخلوا في الاسلام زرافات ووحدانا.
وبعد ذلك انتقل أبو سفيان وغيره من سادة قريش إلى عاصمة الاسلام المدينة واجتمعوا مع أفراد قبائلهم من مهاجرة قريش وتكاثر عددهم وامتهنوا التجارة ونمت ثرواتهم.
وهكذا انقسم سكان المدينة على اليمانيين من قبائل الانصار والعدنانيين من قبائل قريش.