الامام عليّ (ع) يعلم بأنّ الخلافة زويت عنه

كان الامام عليّ يعلم بأنّ الخلافة زُويت عنه وإنّما اشترك معهم في الشّورى كي لا يقال: هو الّذي زهد في الخلافة. ويدلّ على أنّه كان يعلم ما بيِّت له، الحديث الاتي:

روى البلاذري في 5 / 19 من كتابه أنساب الاشراف:

إنّ عليّا شكا إلى عمّه العبّاس ما سمع من قول عمر: كونوا مع الّذين فيهم عبد الرّحمن بن عوف، وقال: واللّه لقد ذهب الامر منّا. فقال العبّاس: وكيف قلت ذلك يا ابن أخي؟ فقال: إن سعدا لا يخالف ابن عمِّه عبد الرّحمن وعبد الرّحمن نظير عثمان وصهره فأحدهما لايخالف صاحبه لا محالة. وإن كان الزبير وطلحة معي فلن انتفع بذلك إذ كان ابن عوف في الثلاثة الاخرين.

وقال ابن الكلبي: عبدالرّحمن بن عوف زوج أُمِّ كلثوم بنت عقبة بن أبي مُعيط وأُمّها أرْوى بنت كُرَيز وأروى أُمّ عثمان فلذلك قال صهره. وقريب منه ما في العقد الفريد 3 / 74. وفي ط. لجنة التأليف 4 / 276.

وفي تاريخ الطبري أن عمارا قال قبل بيعة عبد الرحمن لعثمان: إن أردت ألاّيختلف المسلمون فبايع عليا.

فقال المقداد بن الاسود: صدَق عمّار؛ إن بايعت عليّا قلنا: سمعنا وأطعنا.

قال ابن أبي سرح: إن أردت ألاّ تختلف قريش فبايع عثمان. فقال عبداللّه ابن أبي ربيعة: صَدق؛ إن بايعتَ عثمان قلنا: سمعنا وأطعنا. فشتم عمّار ابن أبي سَرْح، وقال: متى كنت تنصح المسلمين!

فتكلم بنو هاشم وبنو أُميّة، فقال عمار: أيُّها الناس! إنّ اللّه عزّ وجلّ أكرمنا بنبيّه، وأعزّنا بدينه، فأنّى تصرفون هذا الامر عن أهل بيت نبيّكم!

فقال رجل من بني مخزوم: لقد عدوتَ طورَك يا بن سميّة؛ وما أنت وتأمير قريش لانفسهما!

فقال سعد بن أبي وقاص: يا عبدالرّحمن! افرغ قبل أن يفتتن الناس.

فقال عبدالرّحمن: إنِّي قد نظرت وشاورت، فلا تجعلُنَّ أيُّها الرهط على أنفسكم سبيلاً.

ودعا عليّا، فقال: عليك عهد اللّه وميثاقه لتعْمَلنّ بكتاب اللّه وسنّة رسوله وسيرة الخليفتين من بعده؟

قال: أرجو أن افعل وأعمل بمبلغ علمي وطاقتي.

ودعا عثمان فقال له مثل ما قال لعليّ، قال: نعم، فبايعه.

فقال عليّ: حبوتَه حَبْوَ دهر؛ ليس هذا أوّل يوم تظاهرتم فيه علينا؛ فصبر جميل واللّه المستعان على ما تصفون؛ واللّه ما ولّيتَ عثمان إلاّ ليردّ الامر إليك؛ واللّه كلّ يوم هو في شأن.

فقال عبدالرّحمن: يا عليّ! لاتجعل على نفسك سبيلا؛ فإنِّي قد نظرت وشاورتُ الناس؛ فإذا هم لايعدلون بعثمان.

فخرج عليّ وهو يقول: سيبلغ الكتاب أجله.

فقال المقداد: يا عبدالرّحمن! أمّا واللّه لقد تركتَه من الّذين يقضون بالحقّ وبه يعدلون.

فقال: يا مقداد؛ واللّه لقد اجتهدتُ للمسلمين؛ قال: إن كنتَ أردت بذلك اللّه فأثابك اللّه ثواب المحسنين. فقال المقداد: ما رأيتُ مثل ما أوتي إلى أهل هذا البيت بعد نبيّهم. إني لاعجب من قريش أنّهم تركوا رجلا ما أقول إنّ أحدا أعلم ولا أقضى منه بالعدل.

أما واللّه لو أجد عليه أعوانا!

فقال عبد الرحمن: يا مقداد؛ اتّق اللّه؛ فإني خائف عليك الفتنة.

فقال رجل للمقداد: رحمك اللّه! مَن أهل هذا البيت ومَن هذا الرجل؟

قال: أهل البيت بنو عبد المطلب، والرجل عليّ بن أبي طالب.

فقال عليّ: إنّ الناس ينظرون إلى قريش، وقريش تنظر إلى بيتها فتقول: إن وُلِّيَ عليكم بنو هاشم لم تخرج منهم أبدا، وما كانت في غيرهم من قريش تداولتموها بينكم(66).

وروى البلاذري ـ أيضا ـ وقال:

(لمّا دفن عمر أمسك أصحاب الشورى وأبو طلحة يؤمُّهم فلم يحدثوا شيئا، فلمّا أصبحوا جعل أبو طلحة يَحوشُهم للمناظرة في دار المال.

وكان دفن عمر يوم الاحد وهو الرابع من يوم طُعِنَ، وصلّى عليه صهيب ابن سِنان.

قال: فلمّا رأى عبدالرّحمن تناجي القوم وتناظرهم، وأنّ كلّ واحد منهم يدفع صاحبه عنها، قال لهم: يا هؤلاء أنا أُخرج نفسي وسعدا على أن أختار يا معشر الاربعة أحدكم، فقد طال التناجي وتطلّع الناس إلى معرفة خليفتهم وإمامهم، واحتاج من أقام الانتظار ذلك من أهل البلدان الرجوع إلى أوطانهم.

فأجابوا إلى ما عرض عليهم إلاّ عليّا، فإنّه قال: أنظر.

وأتاهم أبو طلحة، فأخبره عبدالرّحمن بما عرض وبإجابة القوم إيّاه إلاّ عليّا فأقبل أبو طلحة على عليّ فقال: يا أبا الحسن إنّ أبا محمّد ثقة لك وللمسلمين، فما بالك تخالف وقد عدل الامر عن نفسه، فلن يتحمَّل المأثم لغيره؟

فأحلف عليّ عبدالرّحمن بن عوف أن لايميل إلى هوى، وأن يُؤثر الحقّ وأن يجتهد للامّة، وأن لايُحابي ذا قرابة، فحلف له، فقال: اختر مسدَّدا.

وكان ذلك في دار المال ويقال في دار المِسْوَرِ بن مَخرمة.

ثمّ إنَّ عبدالرّحمن أحلف رجلا رجلا منهم بالايمان المغلظة، وأخذ عليهم المواثيق والعهود أنّهم لا يخالفونه إن بايع منهم رجلا، وأن يكونوا معه على من يناويه، فحلفوا على ذلك، ثمّ أخذ بيد عليّ، فقال له: عليك عهد اللّه وميثاقه إن بايعتك أن لا تحمل بني عبد المطَّلب على رقاب الناس، ولتسيرنَّ بسيرة رسول اللّه (ص) لا تحول عنها ولا تقصر في شيء منها.

فقال عليّ: لا أحمل عهد اللّه وميثاقه على ما لا أُدركه ولا يدركه أحد. من ذا يطيق سيرة رسول اللّه (ص) ولكنّي أسير من سيرته بما يبلغه الاجتهاد منّي، وبما يمكنني وبقدر علمي.

فأرسل عبد الرَّحمن يده.

ثمّ أحلف عثمان وأخذ عليه العهود والمواثيق أن لا يحمل بني أُميَّة على رقاب الناس وعلى أن يسير بسيرة رسول اللّه (ص) وأبي بكر وعمر ولا يخالف شيئا من ذلك، فحلف له.

فقال عليّ: قد أعطاك أبو عبداللّه الرِّضا فشأنك فبايعه، ثمّ إنّ عبد الرَّحمن عاد إلى عليّ فأخذ بيده وعرض عليه أن يحلف بمثل تلك اليمين أن لا يخالف سيرة رسول اللّه وأبي بكر وعمر.

فقال عليّ: عَليَّ الاجتهاد، وعثمان يقول نعم، عَليَّ عهد اللّه وميثاقه وأشدّ ما أخذ على أنبيائه أن لا اُخالف سيرة رسول اللّه (ص) وأبي بكر وعمر في شيء ولا أقصر عنها.

فبايعه عبد الرَّحمن وصافقه وبايعه أصحاب الشورى، وكان عليّ قائما، فقعد، فقال له عبد الرحمن: بايع وإلاّ ضربت عنقك.

ولم يكن مع أحد يومئذ سيف غيره، فيقال: إنّ عليّا خرج مغضبا فلحقه أصحاب الشورى، فقالوا: بايع وإلاّ جاهدناك، فأقبل معهم يمشي حتّى بايع عثمان)(67).

وفي هذا الخبر حذف من أوّله قول عبد الرّحمن (وسيرة الشيخين) ونقل أوّل كلام الامام عليّ بتصرُّف وحذف آخره؛ وتمام الخبر في الرواية الاتية:

في تاريخ اليعقوبي ط. بيروت 2 / 162: أنّ عبد الرحمن خلا بعليّ بن أبي طالب، فقال: لنا اللّه عليك، إن وليت هذا الامر، أن تسير فينا بكتاب اللّه وسنّة نبيّه وسيرة أبي بكر وعمر.

فقال: أسير فيكم بكتاب اللّه وسنّة نبيّه ما استطعت.

فخلا بعثمان فقال له: لنا اللّه عليك، إن وليت هذا الامر، أن تسير فينا بكتاب اللّه وسنّة نبيّه وسيرة أبي بكر وعمر.

فقال: لكم أن أسير فيكم بكتاب اللّه وسنّة نبيّه وسيرة أبي بكر وعمر.

ثمّ خلا بعليّ فقال له مثل مقالته الاُولى، فأجابه مثل الجواب الاول.

ثمّ خلا بعثمان، فقال له مثل المقالة الاُولى، فأجابه مثل ما كان أجابه، ثمّ خلا بعلي فقال له مثل المقالة الاُولى، فقال: إنّ كتاب اللّه

وسنّة نبيّه لايحتاج معهما إلى إجّيري(68) أحد، أنت مجتهد أن تزوي هذا الامر عنّي.

فخلا بعثمان فأعاد عليه القول، فأجابه بذلك الجواب، وصفق على يده.

دراسة الاخبار السابقة:

في خبر عبداللّه بن أُبيّ وأبي عامر الفاسق اللّذين جاءا في المجلّد الاوّل وإن كان الدافع ممّا فعلاه الحسد على الرسول (ص) بسبب انّ الاوّل منهما كان الاوس والخزرج اتفقوا على تتويجه ملكا عليهم وبعد هجرة الرسول (ص) إلى المدينة أهمل أمره.

والثاني منهما كان ينتظر أن يكون هو النبي الّذي بشرت اليهود ببعثته، فلما رأى أن المبعوث بالرسالة غيره ـ أيضا ـ قام مما قام به. غير أن أفراد قبائلهما الّذين التفوا حولهما كان ذلك منهم تعصبا لرئيس قبيلتهم ولم يكن له سبب آخر.

والامر بالنسبة إلى المهاجرين من قريش أوضح فان تعصب الصحابي أبي بكر لرئيس من قبيلته قريش وهو كافر واضح لا غموض فيه.

وخبر عبداللّه بن عمرو بن العاص في نهي قريش إياه أن يكتب حديث الرسول (ص) معللين نهيهم إياه بأنّ الرسول (ص) بشر يتكلم في الرضا والغضب يدلّ إضافة إلى الدلالة على تعصبهم القبلي أن عبداللّه كان قد كتب من حديث الرسول (ص) ما فيه إيضاح لمواقف بعض قريش من الرسول (ص) والرسالة ومواقف آخرين في تأييد الرسول والرسالة، وكان ذلك وصمة على قبيلة قريش في مقابل إثبات فضائل الاخرين، وأنهم لدفع ذلك اجترأوا على الرسول (ص)، وقالوا: إنّه بشر يتكلّم في الرضا والغضب ليمنعوا عبداللّه عن كتابة حديث الرسول (ص) أوّلا، ويسقطوا ما ينتشر من حديث الرسول في هذا الباب عن الاعتبار ثانيا، وإن جميع الاطراف الّذين ذكرناهم اتخذت تلك المواقف بسبب التعصب القبلي.

وفي ضوء ما ذكرناه ندرس ما وقع بعد حياة الرسول (ص) في السقيفة:

توفي الرسول (ص)، وانصرف علي والعباس ومن معهما بتجهيزه ودفنه فاجتمع الانصار في سقيفة بني ساعدة وتركوا جنازة الرسول (ص) بين أهله وخطب فيهم سعد بن عبادة الخزرجي وهو مريض وقال: استبدّوا بهذا الامر دون الناس فأجابوه بأجمعهم أن وفقت في الرأي وأصبت في القول، نولّيك هذا الامر!!

من الواضح ان الانصار لم يستندوا في ما فعلوا إلى كتاب اللّه ولا سنّة رسوله بل كان باعثهم إلى ذلك التعصب القبلي الجاهلي، وصدق اللّه حيث يقول:

(وَمَا مُحَمَّدٌ إِلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللّهَ شَيْئا وَسَيَجْزِي اللّهُ الشَّاكِرِينَ). (آل عمران / 144)

وكذلك كان شأن المهاجرين من قريش كما يتّضح ذلك ـ أيضا ـ من أقوالهم.

فقد قال أبو بكر: (لن يعرف هذا الامر إلاّ لهذا الحي من قريش هم اوسط العرب نسبا ودارا).

وقال عمر:

من ذا ينازعنا سلطان محمّد وإمارته ونحن أولياؤه وعشيرته.

وقال الحباب بن المنذر:

لاتسمعوا مقالة هذا وأصحابه، فيذهبوا بنصيبكم من هذا الامر، فإن أبوا عليكم ما سألتموهم فاجلوهم عن هذه البلاد.

ولمّا تمّت بيعة أبي بكر تهاجت القبيلتان فقال ابن أبي عزة القرشي:

قل للاُلى طلبوا الخلافة زلّة

لم يخط مثل خطاهم مخلوق

إنّ الخلافة في قريش ما لكم

فيها وربّ محمّد معروق

فطلب الانصار من شاعرهم النعمان بن عجلان ان يجيب فقال شعرا منه قوله:

فقل لقريش نحن أصحاب مكّة

ويوم حنين والفوارس في بدر

الابيات

ثمّ اجتمع سفهاء قريش وخطبوا في ذلك وهاجوا فبلغ الخبر عليّا فأتى المسجد مغضبا وخطب فيه وقال:

يا معشر قريش! إنّ حبّ الانصار إيمان وبغضهم نفاق... الخطبة.

فقال المسلمون جميعا: (رحمك اللّه يا أبا الحسن قلت قولا صادقا).

وهكذا هدأ الامام علي الثائرة بين الحيّين.

وبعد ذلك لمّا جهز أبو بكر الجيوش للقتال لم يؤمر أحدا من الانصار فقام ثابت بن قيس الشمّـاس فقال: يا معشر قريش! أمّا كان فينا رجل يصلح لما تصلحون له؟

أمّا واللّه ما نحن عميا عمّا نرى، ولا صمّا عمّا نسمع ولكن أمرنا رسول اللّه بالصبر فنحن نصبر.

وقام حسان بن ثابت فقال:

يا للرجال لخلفة الاطوار

ولمّا أراد القوم بالانصار

لم يدخلوا منا رئيسا واحدا

يا صاح في نقض ولا إمرار

فجعل أبو بكر على الانصار ـ من الجيش ـ ثابت بن قيس، واستمرّت بعد ذلك سياسة الحكم القرشيّ على ما أُسس عليه دونما تغيير، ومن ثمّ عيّن الخليفة أبو بكر من بعده الصحابي القرشيّ عمر للحكم وقام الخليفة الثاني بتنفيذ السياسة القرشية على عهده بكل شدّة وعنف كما ندرس اخبارها في بحث من تاريخ القرآن الاتي إن شاء اللّه تعالى، وكان من أُصول سياسة الخلافة القرشية تداول الحكم في بطون قريش دون بطن هاشم كما مرّ بنا في محاورة الخليفة مع ابن عبّاس.


66 تاريخ الطبري ط. أوربا 1 / 2786 ـ 2787.

67 أنساب الاشراف 5 / 21 ـ 22.

68 الاجِّيري بالكسر والتشديد: العادة والطريقة.