الشّورى وبيعة عثمان:

قال ابن عبد ربّه في العقد الفريد:

لمّا طعن الخليفة عمر قيل له: لو استخلفت. فقال:

لو كان أبو عبيدة بن الجراح حيّا لاستخلفته، فإن سألني ربّي قلت: نبيّك يقول: إنّه أمين هذه الاُمّة.

ولو كان سالم مولى أبي حذيفة حيّا لاستخلفته، فإن سألني ربِّي قلت: سمعت نبيّك يقول: إنَّ سالما ليحبّ اللّه حبّا لو لم يخف اللّه ما عصاه(60).

وإنّهم قالوا له: يا أمير المؤمنين! لو عهدت.

فقال: لقد كنت أجمعت بعد مقالّتي لكم أن أُولِّي رجلا أمركم أرجو أن يحملكم على الحقّ ـ وأشار إلى عليّ ـ ثمّ رأيت أن لا أتحمَّلها حيّا وميّتا... الخ.

وفي تاريخ الطبري أنهم عادوا اليه، فقالوا: يا أمير المؤمنين! لو عهدتَ عهدا!

فقال: قد كنت أجمعت بعد مقالّتي لكم أن أنظر فأولِّيَ رجلا أمرَكم؛ هو أحراكم أن يحملكم على الحقّ ـ وأشار إلى علي ـورَهِقتْني غَشية، فرأيت رجلا دخل جنة قد غرسها، فجعل يقطف كل غضّة ويانعة، فيضمّه إليه ويصيّره تحته؛ فعلمتُ أنّ اللّه غالب أمره، ومتوفٍّ عمر؛ فما أُريد أن أتحمّلها حيّا وميتا؛ عليكم هؤلاء الرّهط...(61).

وروى البلاذري في أنساب الاشراف(62) قال عمر: أُدعوا لي عليّا وعثمان وطلحة والزُّبير وعبدالرّحمن بن عوف وسعد بن أبي وقّاص، فلم يكلِّم أحدا منهم غير عليّ وعثمان، فقال: يا عليّ! لعلَّ هؤلاء سيعرفون لك قرابتك من النَّبيّ(ص) وصهرك وما أَنالك اللّه من الفقه والعلم، فإن وليت هذا الامر فاتَّق اللّه فيه.

ثمّ دعا عثمان وقال: يا عثمان، لعلَّ هؤلاء القوم يعرفون لك صهرك من رسول اللّه وسِنَّك، فإن وليت هذا الامر فاتّقِ اللّه ولا تحمل آل أبي مُعيط على رقاب النّاس.

ثمّ قال: ادعوا لي صُهَيْبا. فدُعي، فقال: صلِّ بالناس ثلاثا، وليخل هؤلاء النفر في بيت، فإذا اجتمعوا على رجل منهم، فمن خالفهم فاضربوا رأسه. فلمّا خرجوا من عند عمر قال: إن وَلَّوها الاجلح سلك بهم الطريق(63).

وفي الرِّياض النَّضرة: (للّه درّهم إن ولَّوها الاُصيلع كيف يحملهم على الحقّ وإن كان السيف على عنقه)(64).

وروى البلاذري في أنساب الاشراف: أنّ عمر بن الخطّاب أمر صهيبا مولى عبداللّه بن جُدعان حين طعن أن يجمع إليه وجوه المهاجرين والانصار. فلمّا دخلوا عليه.

قال: إنِّي جعلت أمركم شورى إلى ستّة نفر من المهاجرين الاوّلين الّذين قبض رسول اللّه (ص) وهو عنهم راضٍ ليختاروا أحدهم لامامتكم ـوسمّـاهمـ، ثمّ قال لابي طلحة زيد بن سهل الخزرجي: اختر خمسين رجلا من الانصار يكونوا معك، فإذا توفّيت فاستَحِثَّ هؤلاء النفر حتّى يختاروا لانفسهم وللاُمّة أحدهم ولا يتأخَّروا عن أمرهم فوق ثلاث.

وأمر صهيبا أن يصلّي بالناس إلى أن يتَّفقوا على إمام.

وكان طلحة بن عبيداللّه غائبا في ماله بالسراة(65)، فقال عمر: إن قدم طلحة في الثلاثة الايام، وإلاّ فلا تنتظروه بعدها وأَبرموا الامر واصرموه، وبايعوا من تتّفقون عليه، فمن خالف عليكم فاضربوا عنقه.

قال: فبعثوا إلى طلحة رسولا يستحثُّونه ويستعجلونه بالقدوم، فلم يرد المدينة إلاّ بعد وفاة عمر والبيعة لعثمان. فجلس في بيته وقال: أعلى مثلي يُفتات!

فأتاه عثمان، فقال له طلحة: إن رددت أترُدّه؟ قال: نعم. قال: فانّي أمضيته. فبايعه. وقريب منه ما في العقد الفريد 2 / 72. وط.

دار التأليف، القاهرة، سنة 1363ه، 4 / 275 ـ 280.

وروى في ص 20 منه، قال:

فقال عبداللّه بن سعد بن أبي سرح: مازلت خائفا لان ينتقض هذا الامر حتّى كان من طلحة ما كان، فوصلَته رَحِم ولم يزل عثمان مكرما لطلحة حتّى حُصِر فكان أشدَّ الناس عليه.

وروى البلاذري في 5 / 18 من كتابه أنساب الاشراف بسند ابن سعد قال:

(قال عمر: ليتبع الاقل الاكثر، فمن خالفكم فاضربوا عنقه).

وروى في ص 19 منه: عن أبي مِخْنَف أنّه قال:

(أمر عمر أصحاب الشورى أن يتشاوروا في أمرهم ثلاثا، فإن اجتمع اثنان على رجل واثنان على رجل، رجعوا في الشورى، فإن اجتمع أربعة على واحد وأباه واحد كانوا مع الاربعة، وإن كانوا ثلاثة وثلاثة كانوا مع الثلاثة الّذين فيهم ابن عوف إذ كان الثقة في دينه، ورأيه المأمون على الاختيار للمسلمين). وقريب منه ما في العقد الفريد 3 / 74، وط. دار التأليف، القاهرة، سنة 1363ه، 4 / 276.

وروى أيضا عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، أنّ عمر قال: (إن اجتمع رأي ثلاثة وثلاثة، فاتَّبعوا صفّ عبدالرّحمن بن عوف واسمعوا وأطيعوا) وأخرجه ابن سعد في الطبقات 3 / ق 1 / 43.

وفي تاريخ اليعقوبي 2 / 160: وروى البلاذري في أنساب الاشراف 5/ 15 أنّ عمر قال:

(إنّ رجالا يقولون إنّ بيعة أبي بكر فلتة وقى اللّه شرها، وإنّ بيعة عمر كانت عن غير مشورة والامر بعدي شورى، فإذا اجتمع رأي أربعة فليتَّبع الاثنان الاربعة، وإذا اجتمع رأي ثلاثة وثلاثة، فاتَّبعوا رأي عبد الرَّحمن بن عوف فاسمعوا وأطيعوا، وإن صفّق عبدالرّحمن بإحدى يديه على الاُخرى فاتَّبعوه).

وروى المتَّقي في كنز العمال 3 / 160، عن محمّد بن جُبَير عن أبيه، أنَّ عمر قال:

(إن ضرب عبدالرّحمن بن عوف إحدى يديه على الاُخرى فبايعوه).

وعن أسلم أنّ عمر بن الخطاب قال:

(بايعوا لمن بايع له عبدالرّحمن بن عوف، فمن أبى فاضربوا عنقه).

إذا فالخليفة عمر قد نبأ سعيد بن العاص أنّه سيلي بعده ذو رحم سعيد وهو عثمان وطلب منه أن يخبئ الامر عنده؛ ويتّضح من هذه المحاورة أنّ أمر تولية عثمان الخلافة كان قد بُتَّ فيه في حياة الخليفة عمر، وتعيين الستّة في الشّورى كان من أجل تمرير هذا الامر بصورة مرضية لدى الجميع.


60 العقد الفريد 4 / 274، أوردناه ملخصا.

61 تاريخ الطبري ط. أوربا 1 / 2777.

62 أنساب الاشراف 5 / 16.

63 وقريب منه ما في طبقات ابن سعد ج 4 ق 1 ص 247. وراجع ترجمة عمر من الاستيعاب ومنتخب الكنز 4 / 429، وجلح فلان سار سيرا شديدا، وجلح في الامر اقدم ومضى وركب رأسه فيه ويقصد منه الامام عليا.

64 الرياض النضرة ط. 2 بمصر 1373ه، 2 / 95. والاصلع: المنحسر شعر رأسه، وكان الامام عليّ اصلع الرأس.

65 السراة: الجبل الّذي فيه طرف الطائف ويقال لاماكن أُخرى. معجم البلدان.