المنافرة بين القبيلتين بعد بيعة أبي بكر:
ونتج مما وقع بين الانصار والمهاجرين(49) ان تهاجت الفئتان فقال ابن أبي عزة القرشي:
قل للاُلى طلبوا الخلافة زلّة
لم يخط مثل خطاهم مخلوق
إن الخلافة في قريش ما لكم
فيها ورب محمّد معروق(50)
ولمّا بلغ قوله الانصار طلبوا إلى شاعرهم النعمان بن عجلان الزرقي أن يجيب، فقال شعرا منه:
فقل لقريش نحن أصحاب مكة
ويوم حنين والفوارس في بدر
إلى قوله:
وقلتم حرام نصب سعد ونصبكم
عتيق بن عثمان حلال أبا بكر(51)
الابيات
ثمّ اجتمع سفهاء قريش، وخطبوا في ذلك وهاجوا، فبلغ الخبر عليا، فأتى المسجد مغضبا، وخطب فيه وقال:
(يا معشر قريش! ان حبّ الانصار إيمان، وبغضهم نفاق، وقد قضوا ما عليهم وبقي ما عليكم...) الخطبة.
ثمّ أمر ابن عمه الفضل أن ينصر الانصار بشعره، فأنشد أبياتا منها:
إنّما الانصار سيف قاطع
من تصبه ظبّة السيف هلك(52)
فطلب الانصار من حسان أن يجيبه، فقال:
جزى اللّه عنّا والجزاء بكفه
أبا حسن عنّا ومن كأبي حسن
الابيات
وخطب علي بعد ذلك في المسجد وقال في خطبته:
((فواللّه لو زالت الانصار لزلت معهم)) لان رسول اللّه قال: ((لو زالت الانصار لزلت معهم)).
فقال المسلمون جميعا: رحمك اللّه يا أبا الحسن! قلت قولا صادقا، وبذلك هدّأ الامام علي الثائرة في الثانية كما هدّأها في الاُولى ابن عمّه الرسول(53).
وكانت هذه أوّل بادرة لانقسام الاُمّة على قسمين: مضري، وفيهم الامرة حتّى الخلافة العباسية، ويماني، وقد حرموا منها أبد الدهر، والتحق بكل قبيلة حلفاء نسبوا إليها، ونسي نسبهم ممّن انتسلوا منهم، وموالي دعوا بنسب العشيرة والتحقوا به، وكان هذا الدخيل وذلك اللصيق يشاركان في سرّاء القبيلة وضرّائها، ويدافعان عن القبيلة كالاصيل، والقبيلة تحتضنهما كأحد أبنائها.
وبقيت الحالة في المجتمع الاسلامي كذلك إلى عصر الخلافة العباسية.
أمّا سياسة الخلافة، فقد بقي الحكم قرشيا على عهد الخليفتين أبي بكر وعمر، فلم يولّيا على الاجناد: الكوفة والبصرة والشام ومصر(54) من الانصار أحدا، وكذلك لم يؤمّروهم على الجيوش الغازية. وفي هذا الصدد قال اليعقوبي عن خبر تجهيز أبي بكر الجيوش وتأميره الاُمراء في تاريخه:
(لمّا عقد لخالد بن الوليد قام ثابت بن قيس بن الشمّـاس فقال: يا معشر قريش! أمّا كان فينا رجل يصلح لما تصلحون له؟
أمّا واللّه ما نحن عميا عما نرى، ولا صما عما نسمع، ولكن أمرنا رسول اللّه (ص) بالصبر فنحن نصبر.
وقام حسان بن ثابت فقال:
يا للرجال لخلفة الاطوار
ولما أراد القوم بالانصار
لم يدخلوا منا رئيسا واحدا
يا صاح في نقض ولا إمرار)(55)
فعظم على أبي بكر هذا القول، فجعل على الانصار ثابت بن قيس، وانفذ خالدا على المهاجرين، وولى ـ أيضا ـ لقتال من تخلف عن بيعته ومنع الزكاة من أهل اليمن زياد بن لبيد البياضي من ذوي ارومتهم، وقد ذكرنا خبره في آخر الجزء الثاني من عبداللّه بن سبأ.
* * *