بعد دفن الرسول (ص):
اندحر سعد ومرشِّحوه، وبقي علي وجماعته ـ بعد أن أصبحوا أقلّية ـ يتناحرون وحزب أبي بكر الظافر وكلّ يجتهد في جلب الانصار لحوزته.
قال الزُّبير بن بكار: لمّا بويع أبو بكر واستقرّ أمره، ندم قوم كثير من الانصار على بيعته، ولامَ بعضهم بعضا، وذكروا عليّ بن أبي
طالب، وهتفوا باسمه(33).
قال اليعقوبي وابن أبي الحديد(34):
وتخلَّف عن بيعة أبي بكر قوم من المهاجرين والانصار، ومالوا مع عليّ بن أبي طالب، منهم العبّاس بن عبد المطّلب والفضل بن العبّاس، والزُّبير بن العوام، وخالد بن سعيد، والمقداد بن عمرو(35)، وسلمان الفارسيّ، وأبوذر الغفاري، وعمّار بن ياسر، والبراء بن عازب(36)، وأُبيّ بن كعب(37)، فأرسل أبو بكر إلى عمر بن الخطاب وأبي عُبيدة بن الجراح، والمغيرة بن شعبة.
فقال: ما الرأي؟
قالوا(38): الرأي أن تلقى العباس بن عبد المطَّلب، فتجعل له في هذا الامر نصيبا يكون له ولعقبه من بعده، فتقطعون به ناحية عليّ بن أبي طالب (وتكون لكما حجّة)(39) على عليّ إذا مال معكم.
فانطلق أبو بكر وعمر وأبو عبيدة بن الجراح والمغيرة، حتّى دخلوا على العباس ليلا(40)، فحمد اللّه أبو بكر وأثنى عليه، ثمّ قال: إنّ اللّه بعث محمّدا نبيّا وللمؤمنين وليّا، فمنّ عليهم بكونه بين أظهرهم حتّى اختار له ما عنده فخلّى على الناس أُمورهم(41) ليختاروا لانفسهم في مصلحتهم مشفقين(42). فاختاروني عليهم واليا ولاُمورهم راعيا.
فوليت ذلك وما أخاف بعون اللّه وتسديده وَهنا، ولا حيرةً، ولا جُبنا، وما توفيقي إلاّ باللّه عليه توكّلت وإليه أُنيب.
وما انفكَّ يبلغُني عن طاعن بقولِ الخلاف على عامّة المسلمين يتَّخذكم لجأً، فتكونوا حصنه المنيع، وخطبه البديع، فإمّا دخلتم مع الناس في ما اجتمعوا عليه، وإمّا صرفتموهم عمّا مالوا إليه. ولقد جئناك ونحن نريد أن نجعل لك في هذا الامر نصيبا يكون لك، ويكون لمن بعدك من عقبك، إذ كنتَ عمَّ رسول اللّه، وإن كان الناس قد رأوا مكانك ومكان صاحبك (فعدَلوا الامر عنكم)(43) على رسْلكم بني هاشم، فإنّ رسول اللّه منّا ومنكم.
فقال عمر بن الخطاب: وأُخرى إنّا لم نأتكم لحاجةٍ إليكم، ولكن كُرها أن يكون الطعن في ما اجتمع عليه المسلمون منكم، فيتفاقم الخطب بكم وبهم، فانظروا لانفسكم!
فحمد العبّاس اللّه وأثنى عليه، وقال: إنّ اللّه بعث محمّدا كما وصفت نبيا، وللمؤمنين وليّا، فمنّ على أُمّته به، حتّى قبضه اللّه إليه واختار له ما عنده، فخلّى على المسلمين أُمورهم، ليختاروا لانفسهم مصيبين الحقّ لا مائلين بزيغ الهوى.
فإن كنتَ برسول اللّه طلبتَ، فحقَّنا أخذتَ، وإن كنتَ بالمؤمنين أخذتَ فنحن منهم. فما تقدّمنا في أمرك فَرَطا، ولا حَلَلْنا وسطا، ولا بَرحنا سخطا، وإن كان هذا الامر وجب لك بالمؤمنين، فما وجب إذ كنّا كارهين.
ما أبعد قولك من أَنَّهم طعنوا عليك من قولك أنَّهم اختاروك ومالوا إليك!
وما أبعد تسميتك خليفة رسول اللّه من قولك خلّى على الناس أُمورهم ليختاروا فاختاروك!
فأمّا ما قلت: إنك تجعله لي، فإن كان حقّا للمؤمنين فليس لك أن تحكم(44) فيه، وإن كان لنا فلم نرض ببعضه دون بعض، وعلى رسلك فإنّ رسول اللّه من شجرة نحن أغصانها وأنتم جيرانها.
فخرجوا من عنده.
نهاية أمر المعارضة
وروى مُعَمَّر عن الزُّهري عن أُمّ المؤمنين عائشة في حديثها عمّا جرى بين فاطمة وأبي بكر حول ميراث النبيّ (ص) قالت:
فهجرته فاطمة، فلم تُكَلِّمه حتّى تُوفّيت، وعاشت بعد النبيّ (ص) ستّة أشهر.
فلمّا تُوفيت دفنها زوجها، ولم يؤذِن بها أبا بكر وصلّى عليها.
وكان لعليّ من الناس وجه حياة فاطمة، فلمّا تُوفّيت فاطمة انصرفت وجوه الناس عن عليّ. ومكثت فاطمة ستّة أشهر بعد رسول اللّه (ص) ثمّ توفّيت.
قال معمّر:
فقال رجل للزُّهري: أفلم يبايعه عليّ ستّة أشهر؟
قال: لا(45)، ولا أحد من بني هاشم حتّى بايعه عليّ. فلمّا رأى علي انصراف وجوه الناس عنه ضَرَع إلى مصالحة أبي بكر الحديث(46).
وقال البلاذُري:
لمّا ارتدَّت العرب، مشى عُثمان إلى عليّ فقال: يا ابن عمّ! انّه لايخرج أحد إلى قتال هذا العدوّ، وأنت لم تبايع.
فلم يزل به حتّى مشى إلى أبي بكر فبايعه. فسُرّ المسلمون، وجدّ الناس في القتال وقطعت البعوث(47).
ضرع عليّ إلى مصالحة أبي بكر بعد وفاة فاطمة وانصراف وجوه الناس عنه، غير أنّه بقي يشكو ممّا جرى عليه بعد وفاة النبيّ حتّى في أيّام خلافته. وذكر شكواه في خطبته المشهورة بالشّقشقيّة(48).