من أجل معرفة خصائص المجتمع بعد الرسول يلزمنا دراسة كيفية اقامة الحكومات المتعاقبة من بعده وما جرى في ظل تلك الحكومات في المجتمع.
ونبدأ بذكر اخبار اخذ البيعة لابي بكر وما بعدها.
اجتمع الانصار ـ الاوس والخزرج ـ بعد وفاة الرسول (ص) في سقيفة بني ساعدة وبينما هم يداورون الرأي، بلغ نبأهم فريقا من المهاجرين فأسرعوا إليهم وخطبوا فيهم.
وفي صحيح البخاري بسنده عن الخليفة عمر أنه قال:
إنّه كان من خبرنا حين توفَّى اللّه نبيَّه، أنّ الانصار اجتمعوا في سقيفة بني ساعدة، وخالف عنّا عليّ والزبير ومن معهما، فقلت لابي بكر: انطلق بنا إلى إخواننا الانصار.
فانطلقنا حتّى أتيناهم، فإذا رجل مزمّل، فقالوا: هذا سعد بن عبادة يوعك، فلمّا جلسنا قليلا، تشهّد خطيبهم، فأثنى على اللّه، ثمّ قال: أمّا بعد، فنحن أنصار اللّه وكتيبة الاسلام، وأنتم معشر المهاجرين رهط...
فأردت أن أتكلّم، فقال أبو بكر: على رسلك.
فتكلّم هو، واللّه ما ترك من كلمة أعجبتني في تزويري إلاّ قال في بديهته مثلها أو أفضل؛ قال: ما ذكرتم فيكم من خير، فأنتم له أهل، ولن يعرف هذا الامر إلاّ لهذا الحيّ من قريش، هم أوسط العرب نسبا ودارا(2).
روى الطبري(3) في تفصيل خبر السّقيفة وبيعة أبي بكر وقال:
اجتمعت الانصار في سقيفة بني ساعدة، وتركوا جنازة الرّسول يغسله أهله، فقالوا: نولّي هذا الامر بعد محمّد سعد بن عبادة.
وأخرجوا سعدا إليهم وهو مريض...
فحمد اللّه وأثنى عليه، وذكر سابقة الانصار في الدين وفضيلتهم في الاسلام، وإعزازهم للنبي وأصحابه وجهادهم لاعدائه، حتّى استقامت العرب، وتوفّي الرسول وهو عنهم راض، وقال: استبدُّوا بهذا الامر دون النّاس.
فأجابوه بأجمعهم أن قد وفّقت في الرأي، وأصبت في القول، ولن نعدو ما رأيت، نولّيك هذا الامر.
ثمّ إنّهم ترادّوا الكلام بينهم، فقالوا: فإن أبَت مُهاجِرَة قريش فقالوا: نحن المهاجرون وصحابة رسول اللّه الاوّلون، ونحن عشيرته وأولياؤه، فعلامَ تنازعوننا هذا الامر بعده؟ فقالت طائفة منهم: فإنّا نقول إذا: منّا أمير ومنكم أمير. فقال سَعْد بن عبادَة: هذا أوّل الوهن(4).
سمع أبو بكر وعمر بذلك، فأسرعا إلى السَّقيفة مع أبي عُبَيْدة بن الجرَّاح وانحاز معهم أُسيد بن حُضَيْر(5) وعُويم بن ساعِدَة(6)
وعاصم بن عَدِيّ(7) من بني العَجْلان(8).
تكلَّم أبو بكر ـ بعد أن منع عمر عن الكلام ـ فحمد اللّه وأثنى عليه، ثمّ ذكر سابقة المهاجرين في التصديق بالرّسول دون جميع العرب، وقال: (فهم أول من عبد اللّه في الارض وآمن بالرسول، وهم أولياؤه وعشيرته وأحقّ الناس بهذا الامر من بعده، ولا ينازعهم ذلك إلاّ ظالم).
ثمّ ذكر فضيلة الانصار، وقال: (فليس بعد المهاجرين الاوّلين عندنا بمنزلتكم، فنحن الامراء، وأنتم الوزراء).
فقام الحُباب بن المنذر(9) وقال: يا معشر الانصار! املكوا عليكم أمركم فإن الناس في فيئكم وفي ظلّكم، ولن يجترئ مجترئ على خلافكم، ولا تختلفوا فيفسد عليكم رأيكم، وينتقض عليكم أمركم. فإن أبى هؤلاء إلاّ ما سمعتم، فمنّا أمير ومنهم أمير.
فقال عمر: هيهات! لايجتمع اثنان في قرن... واللّه لاترضى العرب أن يؤمّروكم ونبيّها من غيركم، ولكنّ العرب لاتمتنع أن تولّي أمرها من كانت النبوّة فيهم، وولي أُمورهم منهم. ولنا بذلك على من أبى الحجّة الظاهرة والسلطان المبين، من ذا ينازعنا سلطان محمّد وإمارته، ونحن أولياؤه وعشيرته(10) إلاّ مدل بباطل أو متجانف لاثم أو متورّط في هلكة.
فقام الحباب بن المُنذر وقال: يا معشر الانصار، املكوا على ايديكم ولا تسمعوا مقالة هذا وأصحابه، فيذهبوا بنصيبكم من هذا الامر، فإن أبوا عليكم ما سألتموهم، فأجلوهم عن هذه البلاد، وتولّوا عليهم هذه الاُمور، فأنتم واللّه أحقّ بهذا الامر منهم، فإنّه بأسيافكم دان لهذا الدين من لم يكن يدين به. أنا جُذَيْلُها المُـحَكَّك(11) وعُذَيْقُها المُرَجّب(12). أما واللّه لو شئتم لنُعيدنها جَذَعَة(13).
قال عمر: إذا يقتلك اللّه.
قال: بل إيّاك يقتل.
فقال أبو عُبيدة: يا معشر الانصار! إنّكم كنتم أوّل من نصر وآزر، فلا تكونوا أوّل من بدَّل وغيّر.
فقام بشير بن سعد الخزرجيّ أبو النعمان بن بشير فقال: يا معشر الانصار! إنّا واللّه لئن كنّا أُولي فضيلة في جهاد المشركين، وسابقة في هذا الدين، ما أردنا به إلاّرضا ربّنا وطاعة نبيّنا والكدح لانفسنا فما ينبغي لنا أن نستطيل على النّاس بذلك، ولا نبتغي به من الدنيا عرضا، فإنّ اللّه وليّ النعمة علينا بذلك، أَلا إنّ محمّدا (ص) من قريش، وقومه أحقُّ به وأولى، وأيم اللّه لا يراني اللّه أُنازعهم هذا الامر أبدا. فاتّقوا اللّه، ولا تخالفوهم، ولا تنازعوهم.
فقال أبو بكر: هذا عمر، وهذا أبو عبيدة، فأيّهما شئتم فبايعوا. فقالا: واللّه لا نتولّى هذا الامر عليك... الخ(14).
وقام عبدالرّحمن بن عوف، وتكلّم فقال: يا معشر الانصار! إنّكم وإن كنتم على فضل، فليس فيكم مثل أبي بكر وعمر وعليّ.
وقام المنذر بن الارقم فقال: ما ندفع فضل من ذكرت، وإنّ فيهم لرجلا لو طلب هذا الامر لم ينازعه فيه أحد ـ يعني عليَّ بن أبي طالب ـ(15).
(فقالت الانصار أو بعض الانصار: لا نبايع إلاّ عليا)(16).
قال عمر: فكثر اللّغط وارتفعت الاصوات حتّى تَخَوّفت الاختلاف فقلت: ابسط يدك لاُبايعك(17).
فلمّا ذهبا ليبايعاه، سبقهما إليه بشير بن سعد فبايعه، فناداه الحُباب بن المنذر: يا بشير بن سعد عَقَقْتَ عَقاق(18)! أنفست على ابن عمِّك الامارة؟
فقال: لا واللّه، ولكنّي كرهت ان أُنازع قوما حقّا جعله اللّه لهم.
ولمّا رأت الاوس ما صنع بشير بن سعد وما تدعو إليه قريش وما تطلب الخزرج من تأمير سعد بن عبادة، قال بعضهم لبعض ـ وفيهم أُسَيْد بن حُضير وكان أحد النُّقباء ـ: واللّه لئن وليَتها الخزرج عليكم مرَّة، لا زالت لهم عليكم بذلك الفضيلة، ولا جعلوا لكم معهم فيها نصيبا أبدا، فقوموا فبايعوا أبا بكر(19).
فقاموا إليه فبايعوه، فانكسر على سعد بن عبادة وعلى الخزرج ما كانوا أجمعوا له من أمرهم... فأقبل النّاس من كلّ جانب يبايعون أبا بكر، وكادوا يطأون سعد بن عبادة.
فقال أُناس من أصحاب سعد: اتّقوا سعدا لا تطأوه.
فقال عمر: اقتلوه، قتله اللّه.
ثمّ قام على رأسه فقال: لقد هَمَمْتُ أن أطأك حتّى تَنْدُر عُضوك. فأخذ قيس بن سعد بلحية عمر فقال: واللّه لو حصصت منه شعرة ما رجعت وفي فيك واضحة.
فقال أبو بكر: مهلا يا عمر! الرفق هاهنا أبلغ.
فأعرض عنه عمر(20).
وقال سعد: أمّا واللّه لو أنّ بي قوّة مَا أقوى على النهوض لسمعت منّي في أقطارها وسككها زئيرا يُجْحِرُك وأصحابك. أما واللّه إذا لالحقنّك بقوم كنتَ فيهم تابعا غير متبوع. احملوني من هذا المكان. فحملوه فأدخلوه في داره(21).
وروى أبو بكر الجوهري: أنّ عمر كان يومئذ ـ يعني يوم بويع أبو بكر ـ محتجزا يهرول بين يدي أبي بكر ويقول: ألا إنّ الناس قد بايعوا أبا بكر... الخ(22).
بايع الناس أبا بكر وأتوا به المسجد يبايعونه، فسمع العبّاس وعليّ التكبير في المسجد ولم يفرغوا من غسل رسول اللّه (ص).
فقال عليّ: ما هذا؟
قال العباس: ما رئيَ مثل هذا قطّ!! أما قلت لك(23)؟!
8 سيرة ابن هشام، أخبار السقيفة 4 / 330 ـ 339.
9 الحباب بن المنذر بن الجموح بن زيد بن حرام بن كعب بن غنم بن كعب بن سلمة الانصاري، شهد بدرا وما بعدها، وتوفّي في خلافة عمر. الاستيعاب بهامش الاصابة 1 / 353. والاصابة 1/ 302. وأُسد الغابة 1 / 364. ونسبه في جمهرة ابن حزم ص 359.
10 لمّا سمع عليّ بن أبي طالب هذا الاحتجاج من المهاجرين قال: احتجّوا بالشجرة وأضاعوا الثمرة. النهج وشرحه لابن أبي الحديد، ط. الاُولى 2 / 2.
11 جُذيلها ، تصغير الجذل : أصل الشجرة . والمُـحَكَّك : عود ينصب في مبارك الاِبل لتتمرس به الا بل الجربى ، أي قد جربتني الاُمور ولي رأي وعلم يُشتفى بهما كما تشتفي هذه الا بل الجربى بالجذل وصغره على جهة المدح .
12 عذيق: تصغير العذق، وهي: النخلة. والمرجب. ما جعل له رجبة، وهي: دعامة تبتنى من الحجارة حول النخلة الكريمة إذا طالت وتخوفوا عليها أن تنقعر في الرياح العواصف.
13 أعدت الامر جذعا، أي جديدا كما بدأ، وإذا أُطفئت حرب بين قوم فقال بعضهم: إن شئتم أعدناها جذعة، أي: أوّل ما يبتدأ فيها.
14 لم نسجّل هنا بقيّة الحوار وتعليقنا عليه طلبا للاختصار.
15 رواه اليعقوبي بعد ذكر ما تقدم في تاريخه 2 / 103، والموفقيات للزبير بن بكار ص 579.
16 في رواية الطبري 3 / 208، وط. أوربا 1 / 1818 عن إبراهيم، وابن الاثير 2 / 123: ((أن الانصار قالت ذلك بعد أن بايع عمر أبا بكر)).
17 عن سيرة ابن هشام 4 / 336، وجميع من روى حديث الفلتة. راجع بعده حديث الفلتة في ذكر رأي عمر في بيعة أبي بكر.
18 الطبري ط. أوربا 1 / 1842. وفي رواية ابن أبي الحديد: عقّكَ عقاق.
19 وفي رواية أبي بكر في سقيفته: لمّا رأت الاوس أنّ رئيسا من رؤساء الخزرج قد بايع، قام أُسيد بن حضير ـ وهو رئيس الاوس ـ فبايع حسدا لسعد ومنافسة له أن يلي الامر. راجع شرح النهج 2 / 2، في شرحه (ومن كلام له في معنى الانصار).
20 إن هذا الموقف يوضح بجلاء جماع سياسة الخليفتين من شدّة ولِين.
21 الطبري 3 / 455 ـ 459، وط. أوربا 1 / 1843. (وتندر عضوك) كذا جاء ويعني تسقط أعضاؤك.
22 في كتابه السقيفة، راجع ابن أبي الحديد 1 / 133، وفي ص 74 منه بلفظ آخر.