التاسع عشر ـ خلاصة بحوث النسخ في القرآن

في مقدّمة هذا البحث القرآني ينبغي التنبيه على الاُمور الاتية:

1 ـ إنّ هذا القرآن بحسب مقتضى الحال يستعمل من فنون البلاغة ما يقتضيه المقام، وعليه قد يتحدّث عن المفرد بلفظ الجمع، ويخاطب المفرد وهو الرسول (ص) ويريد أُمّته، ويخبر عن المستقبل بلفظ الماضي، ويكلّم الحاضر بلفظ الغائب، وقد يعكس الامر في ما ذكرناه.

2 ـ يخبر عن القصّة الواحدة في موارد متعددة، يفصل في كلّ مورد ما يناسب أخذ العبرة من القصة لما يناسب المقام ويوجز الباقي، وقد يقتطع من القصة ما لا جدوى لذكره في المقام ويأتي بالباقي المناسب ذكره للمقام.

وقد يأتي بتمام القصة موجزة، ثمّ يبدأ بتفصيل ذكر القصة من حيث يناسب المقام.

وفي مثل هذا المورد يأتي أحيانا ذكر المتأخر موجزا قبل ذكر المتقدمذكره مفصلا بعده.

وقد يكرّر من الخبر أو الحكم مفصلا ما ينبغي التأكيد عليه، ويوجز ذكر باقي الخبر قبله أو بعده أو قبله وبعده.

3 ـ في السورة الكبيرة:

أ ـ قد ترد مجموعة واحدة من الايات تبيّن بمجموعها حكما إسلاميا واحدا، و تكشف عن حقيقة واحدة من حقائق الغيب أو الشهادة مع إيراد الكلام بما يناسب المقام بالكيفيات الّتي ذكرناها.

ب ـ وقد ترد آية واحدة تبين بمفردها حكما اسلاميا، أو تكشف عن حقيقة من حقائق الغيب أو الشهادة.

وبناء على ما ذكرناه ينبغي لدارسي القرآن الكريم أن يدرسوا الثانية على حدة ومنفصلة عما قبلها وما بعدها من الايات، ويدرسوا الايات الّتي في الاُولى مجتمعة ولا يُجزِّئوا بعضها عن بعض الاخر.

وينبغي في كلّ دراسة قرآنية أن يؤخذ بنظر الاعتبار كلّ ما ذكرناه عن الاُسلوب القرآني. وكلّ ما ذكروه في علوم القرآن من خصائص القرآن في فن التعبير والمحاورة.

بعد التنبيه على ما ذكرنا نأتي إلى درس بحث النسخ في القرآن، ونقول: صنّفوا النسخ في القرآن إلى ثلاثة أصناف:

أ و ب ـ ما نسخ تلاوته وحكمه، وما نسخ تلاوته وبقي حكمه، أي: أنّ اللّه ـ سبحانه ـ كان قد أنزل على نبيّه (ص) آيات وسورا، ثمّ نسخها، منها ما نسخها مع حكمها ومنها ما نسخ نصوص الايات والسور وأبقى أحكامها.

وبهذا القول عالجوا رواياتهم الّتي ذكرت نقصان سور وآيات من القرآن المتداول بين المسلمين وقالوا: تلكم السور والايات منسوخة التلاوة.

ج ـ آيات موجودة في القرآن قالوا عنها إنّها منسوخة، أي: انّ اللّه نسخ أحكامها إما بآيات قرآنية أُخرى، أو بسنّة الرسول (ص).

ونقول في الجواب:

استدلّوا على قولهم بوجود آيات منسوخة في القرآن:

أوّلا ـ بآيتي: (مَا نَنسَخْ مِن آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا) و(وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ).

ثانيا ـ بآيات كثيرة في القرآن الكريم اعتبروها آيات منسوخة، أي أنّ تلكم الايات جاءت أوّلا بحكم اسلامي وعمل بها المسلمون، ثمّ نسخ اللّه تلك الايات أي أحكامها بآيات أُخرى. وقال آحاد منهم: إنّها نسخت بسنّة الرسول (ص) أي حديث الرسول (ص).

وفي ما يأتي ندرس بحوله تعالى الاستدلالين على التوالي:

دراسة آيات مورد البحث في النسخ

أوّلا ـ دراسة الايتين:

أ ـ (مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْء قَدِيرٌ). (البقرة / 106)

ب ـ (وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنتَ مُفْتَرٍ...). (النّحل / 101)

لمّا كان محور الكلام في الايتين الاية ونسخها ندرس معنى الاية لغة واصطلاحا في ما يأتي:

الاية في اللغة بمعنى: العلامة الظاهرة على الشيء المحسوس، أو الامارة الدالة على أمر معقول.

وإذا قيل: آية من آيات اللّه، أي: أمارة تدلّ عليه أو على بعض صفاته.

والاية في المصطلح الاسلامي اسم لكل من المعاني الاتية:

أ ـ حكم من أحكام الشرع الالهي، والّذي جاء في فصل أو فصول من كتب اللّه تبارك وتعالى.

ب ـ معجزة من معجزات الانبياء، كناقة صالح، وعصا موسى (ع) وسائر الايات التسع الّتي جاء بها.

ج ـ جزء من السور القرآنية المشخص بالعدد ـ الرقم ـ.

وقد تتبعنا موارد استعمال الاية بهذا المعنى في القرآن الكريم، فوجدناها لم تأت بغير لفظ الجمع. وقد ثبت في محله أن اللفظالمشترك في عدّة معاني لايستعمل في الكلام دونما قرينة تدل على المعنى المقصود من تلك المعاني.

وإذا رجعنا إلى المجموعة الّتي جاء فيها جملة: (مَا نَنسَخْ مِن آيَةً...)، وجدناها تذكر قبلها خبر تعنت أهل الكتاب في قبول ما نزل على رسول اللّه(ص)، وبعدها تذكر خبر نسخ حكم استقبال بيت المقدس في الصلاة إلى الكعبة، ومجادلة أهل الكتاب في هذا الشأن.

ومع وجود هذه القرائن قبل جملة: (مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا...) وبعدها نعلم أنّ المقصود من الاية هاهنا هو تبديل حكم استقبال بيت المقدس في الصلاة بحكم استقبال الكعبة فيها، ومن ثمّ ندرك أنّ المقصود من تبديل آية مكان آية في قوله تعالى:

(وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ...) تبديل حكم استقبال الكعبة في الصلاة بحكم استقبال بيت المقدس أو نظائره مثل تبديل حكم عيد السبت بعيد الجمعة ـ مثلا ـ.

وله نظائر أُخرى في ذكر قصة واحدة عدّة مرّات في القرآن الكريم، موجزة تارة ومفصلة أُخرى.

هذا ما كان من أمر الايتين وأمّا استدلالهم بالايات الّتي رووا أنّها منسوخة أو منسيّة، فسنقتصر على دراسة مثال واحد من كلّ منها:

أ ـ مثال السورة المنسية

استدلوا على ذلك بسورة الصحابي أبي موسى الاشعري الّتي قال: إنّه نسيها وإنّها كانت في الشدّة والطول مثل سورة براءة.

وقد مرّ بنا تفصيل القول في شأن نظائره.

ب ـ الاية المنسوخة:

استدلوا بالاية الّتي رويت عن أُمّ المؤمنين عائشة في شأن رضاع الكبير والّتي أكلها الداجن.

وحقيقة الامر أنّه كان اجتهادا خطأً منها في تفسير الاية في مقابل سائر أُمّهات المؤمنين اللاّتي خالفنها في شأن هذا الاجتهاد.

ولقائل أن يقول: إنّ الاحوال السياسيّة الّتي خاضتها أُمّ المؤمنين عائشة للتحريض على قتل الخليفة عثمان، ثمّ قيادتها الجيش الضخم لقتال الخليفة الوصي الامام علي (ع) كانت قد ألجأتها إلى محادثة الرجال ممّن لم يكونوا من محارمها مثل سالم بن عبداللّه بن عمر بن الخطاب، فاضطرت إلى أن تجتهد وتفتي بانتشار الحرمة من رضاع الكبير كما هو الشأن في رضاع الطفل الصغير.

واستشهدت لذلك بالخبر الّذي روته عن أمر رضاع سالم مولى أبي حذيفة في كبره، ولمّا خالفها سائر أُمّهات المؤمنين في هذا الامر اجتهدت فروت خبرا عن الرسول (ص) في بيان حكم رضاع الكبير بيانا لاية الرضاع وقالت: إن الداجن أكل بيان الرسول (ص)، ونحن نرى انها اجتهدت، وأخبرت ذلك عن الرسول (ص) وأن الرسول (ص) لم يقل بانتشار الحرمة من رضاع الكبير(1).

وكذلك الشأن في قصة السورة المنسيّة، وبيان ذلك أن القرّاء في صدر الاسلام كانوا هم علماء الاُمّة ومورد احترام الجميع.

ونرى أنّ قرّاء البصرة كانوا يدلون بذلك على الناس أميرا كانوا أو سوقة فلم يرض ذلك أمير البصرة الصحابي أبا موسى، فجمعهم وروى لهم حديثا عن الرسول (ص) لم يكن لاحدهم علم به ليفهمهم أن ما حفظوه وتدارسوه من بيان القرآن ليس كل ما جاء في بيان القرآن عن الرسول (ص) وإنّما كان من بيان القرآن ما لم يعلم به أحد منهم، وكان علمها عند الامير وقد جهلوه جميعا.

في هذه القصّة ـ أيضا ـ اجتهد الصحابي أبو موسى وأخطأ، وإنّه لكلّ من أُمّ المؤمنين عائشة والصحابي أبي موسى أجر لدى أتباع مدرسة الخلفاء على اجتهادهما الخطأ.

* * *

نكتفي بدراسه هذين الموردين من الايات اللاّتي رووا أنّها منسيّة أو منسوخة ـ معاذ اللّه ـ لانّه من العسير استقصاؤها وشرح زيفها.

ونقتصر هنا على القول بأن القرآن الّذي بأيدي الناس اليوم هو القرآن الذي نزل على رسول اللّه (ص) وعلّمه الرسول جميع من

عاشره واستطاع أن يتعلّمه كما سبق بيانه مفصلا.

بعد إيراد البحوث السبعة الماضية نقوم باذنه تعالى بدراستها في البحوث الاتية.


1 راجع تفصيل ذلك في فصل مع الصهرين من كتاب أحاديث عائشة، وكذلك بحث رأيها في رضاع الكبير.