مناقشة رواية أُمّ المؤمنين عائشة في الرضاع وبيان أثرها
استفاد عشاق النسخ في القرآن من روايتها:
[عشر رضعات معلومات] فنسخن بـ [خمس معلومات]، فصنفوا النسخ إلى ثلاثة أصناف: منها ما نسخ حكمه وتلاوته وله مورد واحد وهو قولها: [عشر رضعات معلومات] فقد نسخت حسب روايتها: بـ [خمس معلومات]، ونسخت تلاوتها ـ أيضا ـلانّها غير موجودة في المصحف.
وأمّا [خمس معلومات] فقد بقي حكمها حسب فتواها وعملها، ولمّا كانت ـأيضاـ غير مكتوبة في المصحف ذكروها في عداد ما نسخ تلاوتها دون حكمها. ووجدنا في رواية ابن ماجة وأحمد بن حنبل عنها، أنّها قالت:
(لقد نزلت آية الرجم ورضاع الكبير عشرا، ولقد كانت تحت سريري، فلمّا مات رسول اللّه (ص) وتشاغلنا بموته، دخل داجن فأكلها)(59).
إنّ العلماء استفادوا من نصف هذا الحديث، وهو قولها [عشر رضعات] واعتبروها صنفا من أصناف النسخ وهو نسخ التلاوة والحكم، ولم يجدوا لها نظيرا. واستفادوا من النصف الاخر مثالا من أمثلة نسخ التلاوة دون الحكم.
ومن آثار هذا الحديث ما حصل عند فقهاء مدرسة الخلفاء من الاختلاف في رضاع الكبير، وأنّه هل يحرم أم لا؟ وإذا كان يحرم، كيف يرضع الكبير؟ هل يلتقم الثدي أم يشرب اللبن من الاناء(60)؟
مناقشة الحديث
إنّ حديث رضاع الكبير بمجموعه يخالف كتاب اللّه وسنّة رسوله وفطرة الانسان.
أمّا كتاب اللّه، فلقوله ـ تعالى ـ : (حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ)، وعليه فإنّ الرضاع لايكون إلاّ في الحولين.
وأما سنّة الرسول، فلقوله (ص): ((إنّما الرضاعة من المجاعة)) وفسّره (ص) في حديث آخر وقال: ((ولا يحرّم الرضاع إلاّ ما فتق
في الامعاء في الثدي وكان قبل الفطام))، وقال في حديث آخر: ((لا رضاع إلاّ ما شدّ العظم وأنبت اللحم وأنشز العظم)).
وأمّا الفطرة، فقد ذكرنا أمرها سابقا.
وفي خصوص الاية الّتي أكلها الداجن لست أدري كيف انحصر علمها بأُمّ المؤمنين عائشة، ولم يأت ذكرها على لسان أي إنسان آخر من أزواج الرسول(ص) وأصحابه وأهل بيته، مع قولها: (فتوفي رسول اللّه وهنّ ممّا يقرأ من القرآن).
وكيف ذهبت الاية بأكل داجن لها مع قوله تعالى: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)!؟
والصواب في القول ما ذكرناه من أنّها قصدت أنّ الجملة كانت مكتوبة مع آية الرضاع في قوله تعالى: (حولين كاملين...) كبيان رسول اللّه (ص) ممّا أنزل اللّه عليه بوحي غير قرآني.
خلاصة القول
إن تلك الروايات الّتي كان فيها تهوين بأمر التشريع الاسلامي واستهانة بالوحي والقرآن والرسول وأمر الربّ تنقسم إلى قسمين:
منها ما هي مخالفة لكتاب اللّه المجيد وسنّة الرسول (ص) الجامعة وعلّتها في متونها ومحتواها فهي تُرفَض وتُطرَح.
ومنها ما في ألفاظها تشويش للاذهان وإبهام بما ذكرنا أعلاه.
وهذه إن صحّت أسنادها يؤخذ بمحتواها، ويُدرج منها ما ليس في ألفاظها اضطراب وتشويش في عداد سنّة الرسول (ص)، ولا يقال لتبرير أيّ منها انّ اللّه سبحانه كان قد أنزل قرآنا، ثمّ نسخه بعد أن تلاه المسلمون وعملوا به وأنساهم إيّاه.
وإنّ أمثال تلكم الروايات هي الّتي شوّشت على بعض الاخباريين من محدِّثي الشيعة، مثل الشيخ النوري، واستدلّ بها وكتب:
(فصل الخطاب). وجوابه ما ذكرناه، فإن لم يقبل العلماء ما قلناه وأصرّوا على القول بنسخ التلاوة، فليسمّوا إذا كتاب المحدث النوري: (فصل الخطاب في بيان منسوخ التلاوة من كتاب ربّ الارباب) ولا مشاحة في التسمية والاصطلاح.
ولست أُريد بقولي هذا أن أُصوّب عمل صاحب (فصل الخطاب) ولا قوله، ولكنّي أقول: قد أخطأ من قبله من قال: أنّ اللّه كان أنزل قرآنا على نبيّه (ص)، ثمّ نسخ تلاوته وحكمه أو تلاوته دون حكمه، ثمّ أصرّ على قوله.
وأخطأ بعدهم من استدلّ على مدّعاه بتلكم الاجتهادات وتلكم الروايات.
وأخطأ المحدِّث النوري حين جمعها في كتاب، ولم يبيّن وجه الصواب فيها، وأخطأ ثانيا حين سمَّـاها (تحريف كتاب ربّ الارباب) ـ معاذ اللّه ـ، وفيصل القول ما قلناه، والحمد للّه.