إنّ تلكم الروايات تنقسم على ثلاثة أصناف:
أ ـ ما روي فيها تأويل القرآن عن رسول اللّه (ص) وتفسيره ولم يفسِّر العلماء الحديث على الوجه الصحيح، وزعموا أنّ الرسول (ص) تلا نصّ القرآن، وليس قوله تفسيرا للقرآن.
ب ـ ما روي فيها سنّة الرسول (ص)، وفي لفظ بعض رواياته إيهام بأنّ ما في الرواية لفظ القرآن، وليس بسنّة الرسول (ص).
ج ـ روايات لايصحّ محتواها بوجه من الوجوه ويجب طرحها جملة وتفصيلا، لانّها تخالف محكم الكتاب وسنّة الرسول (ص) الجامعة.
وفي ما يأتي أمثلة من الاصناف المذكورة:
أوّلا ـ ما روي فيها تأويل القرآن عن رسول اللّه (ص) وحسب العلماء أنّ الرسول (ص) كان قد تلا في حديثه نصّ القرآن، مثل ما روي عن أُمّيّ المؤمنين عائشة وحفصة أنّهما أمرتا بكتابة (صلاة العصر) بعد (وَالصَّلاَ ة الوسْطَى) في مصحفيهما، فإنّهما كانتا سمعتا من رسول اللّه (ص) (صلاة العصر) تفسيرا للصلاة الوسطى، وأمرتا بكتابتها في مصحفيهما على أنّه تفسير للصلاة الوسطى.
وإنّما التوهم ممّن ظنّ أنّهما أمرتا بكتابته على أنّه قرآن يتلى، راويا كان المتوهم أم عالما، حسبه من قسم منسوخ التلاوة.
ثانيا ـ ما روي فيها سنّة الرسول (ص)، غير أنّ في لفظ بعض تلك الروايات ما يوهم بأنّ المروي كان من سور القرآن أو من آيات القرآن، وفي بعض الروايات تصريح بذلك كالامثلة الاتية:
أ ـ ما روي في شأن ما سمّيا بسورتي الحفد والخلع. في دراسة هذه الروايات إذا جمعناها وقارنّا بعضها ببعض وجدنا أمرهما في الروايات كالاتي:
ـ في بعض الروايات لم يبدأ فيهما بالبسملة كما يبدأ بها في السور القرآنية.
ـ في بعض الروايات أنّ الامام عليّا علّم الراوي إيّاهما كدعاء يقرأه في القنوت. وفي هذه الروايات لم تسميا باسم السورة.
ـ في بعض الروايات سميتا باسم السورة.
ـ وإلى جانب هذه الروايات روايات أُخرى توهم بأنّهما كانتا من سور القرآن كالاتي:
ـ في بعض الروايات بدئتا بالبسملة كما يبدأ بالسور القرآنية وفيها إيهام بأنّها سورتان.
ـ في لفظ بعض الروايات وزاد (أقرأني النبيّ)، وفي لفظ (أَقْرَأَ) إيهام بأنّهما سورتان أقرأهما النبيّ (ص) الصحابي كما كان يقرئهم
السور القرآنية.
وكذلك الشأن بالنسبة إلى جمل أُخرى الّتي جاء في لفظ روايتها: أنّ الصحابي قال: أقرأني رسول اللّه (ص) كذا.
ولعلّ ذكر أمثال هذه الالفاظ في الروايات كان من تسامح الرواة في التعبير، ونقل الحديث بالمعنى مع عدم تنبّه وعدم وعي لاثر التسامح في التعبير.
ويصحّ أن نفترض هكذا إذا أحسنّا الظنّ بالرواة.
وقد ذكرنا في ما سبق ان الزنادقة دسوا في كتب المحدّثين أكاذيب عداء للاسلام.
ومن دراسة الروايات دراسة مقارنة تثبت لنا أنّ الخطأ في شأنهما من العلماء الّذين سمّوهما وأمثالهما بمنسوخ التلاوة من القرآن، أي أنّهم زعموا أنّهما وأمثالهما كانت من النصوص القرآنية الثابتة وقد نسخت تلاوتها.
في مثل هذه الحالات نأخذ بلفظ الرواية الّتي ليس فيها لفظ (أقرأني) ـمثلاـ أو ما لم يبدأ فيها الدعاء بالبسملة، ونرى أنّ الخطأ في عدم دراسة تلك الروايات دراسة مقارنة لتنجلي الحقيقة، ثمّ في تسميتها باسم قرآنٍ قد نسخت تلاوته.
وفي شأن ما سميتا بسورتي الحفد والخلع أخطأ السيوطي خطأً فاحشا حين سجّلها في تفسيره مشابها لتسجيله السور القرآنية.
وإنّما الصحيح في أمرهما وأمر أمثالهما أن تسجل في عداد سنّة الرسول (ص) بعد التأكّد من صحّة أسنادها، وليس في عداد السور القرآنية وآياتها مع وصفهم بأنّها منسوخ التلاوة.
وإذا لم تصحّ أسنادها، لنا أن نطرحها ولا نسجلها في عداد السور القرآنية، ولا في عداد روايات سنّة الرسول (ص).
ب ـ ما روي في شأن رجم الشيخ والشيخة، إذا قارنّا بين ألفاظ رواياتها وجدنا في لفظ بعضها نصّا على أنّه كان قرآنا يتلى واعتمادا على لفظ أمثال هذه الرواية حسبوا الجملة قرآنا كان يتلى، ولمّا كانت غير مكتوبة في المصحف قالوا: انّ الجملة كانت قرآنا نسخت تلاوتها وبقي حكمها.
وإلى جانب هذه الروايات وجدنا روايات أُخرى ليس في لفظها ما يوهم أنّه كان قرآنا يتلى.
وفي أمثال هذه الموارد نأخذ بالرواية الّتي ليس فيها ما يوهم أنّ الجملة كانت قرآنا يتلى ونسجّلها في عداد سنّة الرسول (ص) إن صحّت أسنادها.
وكذلك الشأن في روايات سورتي أبي موسى الاشعري وروايات كثيرة غيرها من مثيلاتها.
ولا يفوتنا أن نقول: أنّنا حين نطلب تسجيل أمثال تلك الروايات بعد دراستها دراسة مقارنة في عداد سنّة الرسول (ص)، نرى أنّ في بعض ألفاظها ما هو دون بلاغة كلام الرسول (ص).
وعلى هذا فينبغي اعتبار تلك الروايات في عداد سنّة الرسول (ص) في محتواها دون ألفاظها، أي أنّها رويت بالمعنى دون التقيد بروايتها بلفظ الرسول(ص).
ثالثا ـ روايات تخالف محكم القرآن وسنّة الرسول (ص) الجامعة وكالموارد الاتية:
أ ـ ما روي عن ابن مسعود إسقاطه المعوّذتين من مصحفه بزعم أنّهما ليستا من القرآن. ومغزى هذا القول والعمل أنّ المصحف المتداول بين المسلمين منذ العصر الاسلامي الاوّل إلى اليوم فيه سورتان زائدتان وليستا من القرآن ـمعاذ اللّهـ.
وقد سبق أن قلنا في مثل هذه الموارد إنّ ذلك ممّا افتري به على اللّه وكتابه ورسوله وأصحابه. والصحيح هو المكتوب في المصاحف الّتي تداولها المسلمون منذ دوّنت المصاحف ودوّنت السور حتّى اليوم.
إذا فقد كان ذلك ممّا افتراه أمثال الزنادقة في مقابل نصِّ الكتاب ورواية ما لايحصى من أبناء الاُمّة كما درسنا ذلك في ما سبق.
ب ـ ما روي عن أُمّ المؤمنين عائشة أنّها قالت: كان في ما أُنزل من القرآن [عشر رضعات يحرمن] فنسخن بـ [خمس معلومات]، فتوفي رسول اللّه (ص)، وهنّ ممّا يقرأ من القرآن. وفي حديث آخر لها [ورضاع الكبير عشرا].
وفسرت الاية المزعومة بما روته هي من رضاع سالم مولى أبي حذيفة(58) وإرسالها سالم بن عبداللّه إلى أُختها أُم كلثوم لترضعه أُمّ كلثوم خمس رضعات، فيحرم بتلك الرضعات الخمس، ومن ثم أوردها ابن ماجة في باب: (رضاع الكبير). وكذلك مسلم وأبو داود والنِّسائي جميعهم أوردوا روايتها في باب: رضاع الكبير.
ولعلها قصدت ان هذه الجملة كانت مكتوبة كبيان من الرسول (ص) في حكم الرضاع نظير أمرها بكتابة (وصلاة العصر) بعد (وَالصَّلاَة الوسْطَى) من مصحفها تفسيرا للصلاة الوسطى.
ج ـ ما روي عن ابن عباس أنّه قال: كان ممّا ينزل على النبيّ الوحي باللّيل وينساه بالنهار!
لست أدري، هل كان وحي اللّه لنبيّه من قبيل: كلام الليل يمحوه النهار؟
د ـ ما روي عن الخليفة عمر أنّه قال: إنّ أقرؤنا أُبيّا، وإنّا لندع شيئا من قراءة أُبي وذلك أنّ أُبيّا يقول: لا أدع شيئا سمعته من رسول اللّه (ص).
وفي رواية يقول: أخذت من فم رسول اللّه (ص) ـ وقد قال اللّه: (ما ننسخ من آية أو ننساها...).
وإذا لم يعتمد على الاقرأ الّذي سمع القرآن من فم رسول اللّه فعلى من يعتمد؟!
مرّ بنا ان هذه الروايات ممّا افتري بها على اللّه وكتابه ورسوله وأصحابه.
* * *