ثانيا ـ روايات منسوخ التلاوة وسائر روايات النسخ
أوردنا في ما سبق حديث الصحابي أبي موسى أنّه أنسى سورتين كبيرتين، ونقل الطبري وابن كثير والسيوطي إضافةً إليه أحاديث نظيرها في تفسير آية: (مَا نَنسَخْ مِن آيَةٍ...)، أربع منها رووها من الصحابة يعضد بعضها البعض الاخر.
إحداها ـ عن أبي إمامة، قال فيها ما موجزه:
(قام رجل من جوف اللّيل يريد أن يفتتح سورة، فلم يقدر على شيء منها إلاّبسم اللّه الرّحمن الرّحيم، ووقع ذلك لناس من أصحابه، فأصبحوا، فسألوا رسول اللّه (ص)، فقال: نسخت البارحة، فنسخت من صدورهم ومن كلّ شيء)(52).
والثانية عن ابن عمر، قال: قرأ رجلان من الانصار سورة أقرأهما رسول اللّه (ص)، وكانا يقرآن بهما، فقاما يقرآن ذات ليلة يصليان، فلم يقدرا منها على حرف، فأصبحا غاديين على رسول اللّه (ص)، فقال: إنّها ممّا نسخ أو نسي فالهوا عنه.
والروايتان الاُخريان نظيرهما(53).
لست أدري هل تعدّ مدرسة الخلفاء السورة أو السور المنسيّة المذكورة في هذه الروايات ضمن السور الاربع الّتي أوردناها سابقا أي: سورتي الحفد والخلع، وسورتي أبي موسى المنسيتين، أنّها تضيف المنسيات في هذه الروايات إلى تلك الاربع، ويزداد بذلك عندهم عدد المنسيات!؟
وفي الدرّ المنثور ـ أيضا ـ عن ابن عباس قال: كان ممّا ينزل على النبيّ (ص) الوحي بالليل وينساه بالنهار، فأنزل اللّه (مَا نَنسَخْ مِن آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرِ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا)(54).
وبناء على هذه الروايات رووا الرواية التالية:
قال السيوطي: أخرج البخاري والنِّسائي وابن الانباري في المصاحف والحاكم والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس قال: قال عمر أقرأُنا أُبيّ، وأقضانا عليّ.
وإنّا لندع شيئا من قراءة أُبيّ وذلك أنّ أُبيّا يقول لا أدع شيئا سمعته من رسول اللّه (ص) وقد قال اللّه: (مَا نَنسَخْ مِن آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا)(55).
وفي لفظ رواية بمسند أحمد: وأُبيّ يقول أخذت من فم رسول اللّه (ص).
ومدلول هذه الرواية أنّ أُبيّا يعتمد كلّ ما سمع من القرآن من فم رسول اللّه(ص)، وقد يكون ما سمعه أُبيّ من القرآن من فم رسول اللّه (ص)، ممّا نسخ وأنسي رسول اللّه (ص)، وبقي علمه عند أُبيّ.
إذا لا اعتبار بما سمعه أُبيّ أقرأ الصحابة من فم رسول اللّه (ص)!!(56).
ومن رواية النسيان أو الانساء ما رواها البخاري ومسلم وغيرهما واللفظ للاوّل عن أُمّ المؤمنين عائشة أنّها قالت:
سمع النبيّ رجلا يقرأ آية، فقال: ((رحمه اللّه لقد أذكرني آية كنت نسيتها)).
وفي رواية ثانية (سمع رجلا يقرأ من اللّيل فقال: ((رحمه اللّه لقد أذكرني كذا وكذا آية أسقطتها من سورة كذا وكذا))).
وفي لفظ البخاري (... يقرأ في المسجد فقال: ((رحمه اللّه لقد أذكرني كذا وكذا آية أسقطتها من سورة كذا وكذا)))(57).
* * *