أوّلا ـ روايات منسوخ التلاوة والحكم جميعا:
وجدوا لهذا الصنف موردا واحدا على حسب قولهم، وهو ما روته أُمّ المؤمنين عائشة، قال الزركشي:
الثالث: نسخهما جميعا، فلا تجوز قراءتها ولا العمل بها، كآية التحريم [بعشر رضعات]، فنسخن [بخمس]، قالت عائشة: كان ممّا أُنزل [عشر رضعات معلومات]، فنسخن [بخمس معلومات]، فتوفي رسول اللّه (ص) وهي ممّا يقرأ من القرآن.
رواه مسلم(44).
وقال السيوطي: (ما نسخ تلاوته وحكمه معا، قالت عائشة: كان في ما أُنزل، [عشر...] رواه الشيخان)(45).
وبما أنّ هذا المورد منحصر عندهم بالرواية عن أُمّ المؤمنين عائشة، إذا نحن نسمِّيه بفتوى أُمّ المؤمنين عائشة. وندرس أوّلا ظروف هذه الرواية وملابساتها ونقول:
فتوى أُمّ المؤمنين عائشة في الرضاع وظروفها
كانت أُمّ المؤمنين عائشة على أثر إرجاع الخلفاء إليها في السنن منذ عهد الشيخين حتّى عصر معاوية ـ عدا عليّ بن أبي طالب ـ أكثر أُمّهات المؤمنين حاجة لملاقاة المستفتين.
وقد شاركت في حوادث سياسيّة عنيفة ممّا لم نعهد لغيرها من أُمّهات المؤمنين أن شاركنَ في نظائرها.
ولعلّ هذا وذاك كان الباعث لها أن تتأول وتفتي بأنّ الرجل الكبير إذا أرضعته امرأة خمس رضعات تنتشر الحرمة بينه وبين المرضع. وتعمل بفتواها وترسل الرجل الّذي (أحبّت أن يراها ويدخل عليها) إلى أخواتها وبنات أخيها، فيرضعنه كذلك، ويدخل عليها بتلك الرضاعة.
وكان سالم بن عبداللّه بن عمر من أُولئك، فقد بعثته إلى أُختها أُمّ كلثوم فأرضعته، وقالت في جواب إنكار أزواج الرسول عليها:
إنّ الرسول أمر سهلة زوجة أبي حذيفة أن ترضع مولاهم سالما الّذي كان متبناهم قبل ذلك أن ترضعه خمس رضعات، ويدخل عليها بذلك، وأبت أزواج الرسول أن يدخل عليهن أحد حتّى يرضع في المهد(46).
وفي سنن أبي داود وفتح الباري في شرح صحيح البخاري واللفظ للاوّل:
(كانت عائشة (رض) تأمر بنات أخواتها وبنات إخوتها أن يرضعن من أحبّت عائشة أن تراه، ويدخل عليها، وان كان كبيرا، خمس رضعات، ثمّ يدخل عليها بتلك، وأبت أُمّ سلمة وسائر أزواج النبيّ (ص) أن يدخل عليهن بتلك الرضاعة أحد من الناس حتّى يرضع في المهد، وقلن لعائشة واللّه ما ندري لعلّها كانت رخصة من النبيّ (ص) لسالم دون الناس).
وفي لفظ النِّسائي:
(أبى سائر أزواج النبيّ (ص) أن يدخل عليهنّ بتلك الرضعة أحد من الناس، يريد رضاعة الكبير... وقلن: واللّه لايدخل علينا أحد بهذه الرضعة ولا يرانا)(47).
* * *
هكذا كانت القالة حول رضاع الكبير من أُمّهات المؤمنين واسعة. وكان خير علاج لها الرواية الاتية الّتي رواها إمام الحنابلة أحمد في مسنده(48) وابن ماجة(49):
عن أُمّ المؤمنين عائشة قالت:
(لقد أُنزلت آية الرجم ورضاعة الكبير عشرا)، ولقد كان في صحيفة تحت سريري، فلمّا مات رسول اللّه (ص) وتشاغلنا، دخل علينا داجن فأكله.
وروت، أيضا:
كان في ما أُنزل من القرآن [عشر رضعات معلومات يحرمن] ثمّ نسخن بـ[خمس معلومات]، فتوفي رسول اللّه وهنّ في ما يقرأ من القرآن(50).
والحديث يكمل أحدهما الاخر على هذا النحو:
لقد نزلت رضاعة الكبير عشرا وآية الرجم الّتي أخبر عنها الخليفة على المنبر معا وأكلهما الداجن.
ونسخت رضاعة الكبير عشرا بخمس معلومات.
ومن ثمّ كانت تفتي أُمّ المؤمنين بخمس رضعات للكبير يحرمن، وتعمل بفتواها.
ومن ثمّ قالوا: إنّها الاية الوحيدة الّتي نسخت تلاوتها وحكمها!
انحصرت هذه الروايات كلّها بأُمّ المؤمنين عائشة، وهي جميعا مخالفة لفطرة الانسان، فلم يسمع قبل فتوى أُمّ المؤمنين عن إنسان رضع في الكبر. ولا تبديل لخلق اللّه.
ومخالف ـ أيضا ـ لقوله تعالى: (حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ) فإنّها تدلّ على أنّ إتمام الرضاعة في الحولين: سنتي الرضاعة.
ومخالف لسنّة الرسول الجامعة لقوله (ص): ((الرضاعة من المجاعة))، وقوله: ((لا رضاع إلاّ ما فتق من الامعاء))، وقوله: ((لا رضاع إلاّ ما شدّ العظم، وأنبت اللحم وأنشز العظم)).
وانتبه البعض إلى هذا التناقض فرده قسم كالاستاذ السايس بقوله على حديث عائشة:
حديث لا يصح الاستدلال به لاتفاق الجميع على انّه لايجوز نسخ تلاوة شيء من القرآن بعد وفاة الرسول (ص) وهذا هو الخطأ الصراح(51).
وحاول علاجه آخرون بأوهى من بيت العنكبوت ولا يستحق الاطالة بإيراده، وإنّما نحن بصدد مناقشة قولهم بصنفين من النسخ في القرآن استنادا إلى هذه الاحاديث.
* * *
كانت تلكم ظروف رواية أُمّ المؤمنين عائشة وملابساتها، وسوف نناقش رواياتها ضمن مناقشتنا سائر روايات النسخ الاتية إن شاء اللّه تعالى.