رابع عشر ـ ردُّ بعض علماء مدرسة الخلفاء القول بنسخ التلاوة

نقل الزركشي والسيوطي عن القاضي أبي بكر في الانتصار أنّه حكى عن قوم إنكار هذا القسم، لانّ الاخبار فيه أخبار الاحاد، ولا يجوز القطع على إنزال القرآن ونسخه بأخبار آحاد لا حجّة فيها(37).

ويعرف ـ أيضا ـ شأن نسخ التلاوة بالقياس على ما قاله أبو الوليد الباجي في نسخ الحكم الشرعي، حيث قال:

(النسخ: إزالة حكم ثابت بشرع متقدم، بشرع متأخّر عنه على وجه لولاه لكان ثابتا)(38).

وبالقياس على هذا القول، فإنّ نسخ التلاوة إزالة آي أو سور من القرآن بآي أو سور متأخّرة عنها على وجه لولاها لكانت تلك الايات أو السور ثابتة في المصحف.

ونقل الزركشي عن ابن ظفر في كتاب الينبوع أنّ: (الخبر الواحد لايثبت القرآن)(39).

ومن المتأخّرين، قال الدكتور صبحي الصالح ما موجزه:

أمّا الجرأة العجيبة، ففي ما زعموا أنّها نسخت تلاوة آيات معينة إمّا مع نسخ الحكم وإمّا من دونه.

والناظر في صنيعهم هذا سرعان ما يكتشف فيه خطأً مركبا، فتقسيم المسائل إلى أضراب إنّما يصلح إذا كان لكلّ ضرب شواهد كثيرة أو كافية ـعلى الاقلّـ ليتيسر استنباط قاعدة منها.

وما لعشاق النسخ إلاّ شاهد أو اثنان من هذين الضربين، وجميع ما ذكروه منها أخبار آحاد ولا يجوز القطع على إنزال القرآن ونسخه بأخبار آحاد لا حجّة فيها.

وبهذا الرأي السديد أخذ ابن ظفر في كتاب الينبوع إذ أنكر أنّ هذا ممّا نسخت تلاوته، وقال: لانّ الخبر الواحد لايثبت القرآن(40).

كان هذا أقوال بعض علماء مدرسة الخلفاء في روايات النسخ. وفي ما يأتي رأي بعض علماء مدرسة أهل البيت في ذلك.

خامس عشر ـ رأي مدرسة أهل البيت في نسخ القرآن بالسنّة ونسخ التلاوة

إنّ القول بنسخ التلاوة ـ كما قلنا في حقيقته ـ قول بثبوت نصّ قرآني بروايات الاحاد، ونسخ النصّ القراني ـ أيضا ـ بروايات الاحاد. وقد قال في ذلك الشيخ المفيد في أوائل المقالات:

(إنّ القرآن ينسخ بعضه بعضا ولا ينسخ شيئا من السنّة، بل تنسخ السنّة به كما تنسخ السنّة بمثلها من السنّة. قال اللّه عزّ وجلّ:

(مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا). وليس يصحّ أن يماثل كتاب اللّه تعالى غيره، ولا يكون في كلام أحد من خلقه خير منه)(41).

يقصد أنّ حديث الرسول هو كلام الرسول (ص) الّذي خلقه اللّه، ولا يصحّ أن يقال إنّ كلام الرسول (ص) مثل كلام اللّه أو خير من كلام اللّه ـ معاذ اللّه ـ لينسخ به القرآن وهو كلام اللّه.

وقال صاحب المعالم:

(ولا تنسخ الكتاب والسنّة المتواترة بالاحاد عند أكثر العلماء، لانّ خبر الواحد مظنون وهما معلومان، ولا يجوز ترك المعلوم بالمظنون)(42).

ويقصد بغير الاكثر من العلماء: بعض العلماء من الاخباريين.

وقد أفصح القول في نسخ التلاوة متأخّرو علماء مدرسة أهل البيت، فقد جاء في تفسير البيان وأُصول المظفر واللفظللاوّل:

(إنّ القول بنسخ التلاوة عين القول بالتحريف)(43).

وهذا هو معنى قول الامام الباقر (ع): (أمّا كتاب اللّه فحرفوا وأمّا العترة فقتلوا).

أمّا الكتاب، فقد حرَّفوه في كتبهم بأقوالهم بالنسخ.

وأمّا العترة فقد قتلوهم بكربلاء بأنواع السلاح، ولكن اللّه حفظ كتابه من التحريف كما حفظ خليله إبراهيم من التحريق.

أُولئك حرَّقوا إبراهيم ولكن اللّه حفظه من لظى النار.

وهؤلاء حرَّفوا القرآن ولكن اللّه حفظه من عبث التحريف.

* * *

بعد عرض ما تقدم، ندرس ـ بحوله تعالى ـ روايات نقصان القرآن ـ معاذ اللّه ـ والّتي سمِّيت بروايات النسخ والانساء في ما يأتي:


37 البرهان في علوم القرآن 2 / 39 ـ 40؛ والاتقان للسيوطي 2 / 26، ورجعنا إلى الاوّل في النقل؛ والانتصار لابي بكر محمّد بن الطيب الباقلاني (ت: 403ه).انتهت إليه رئاسة الاشاعرة ببغداد. ردّ على المعتزلة والشيعة والخوارج والجهمية وغيرهم. من تآليفه: الانتصار وإعجاز القرآن. تذكرة الحفاظ ص 1079؛ وهدية العارفين 2 / 59؛ وترجمة الانتصار من كشف الظنون.

38 كتاب الحدود في الاُصول، ط. الاُولى، سنة 1392، ص 49. تأليف الحافظ أبي الوليد سليمان بن خلف الاندلسي، الباجي (ت: 474ه) ترجمته في الوفيات وتذكرة الحفاظ ص 1178 ـ 1183 وطبقات المفسِّرين للسيوطي.

39 البرهان في علوم القرآن 2 / 36. وكتاب ينبوع الحياة في التفسير في مجلّدات لابي عبداللّه بن ظفر محمّد بن محمّد الصقلي (ت: 568ه). كشف الظنون 2 / 2052، ماّدة ينبوع؛ وبهامش علوم القرآن 2 / 36، منه. أجزاء متفرقة خطية بدار الكتب المصرية، رقم 310 التفسير؛ وراجع مباحث علوم القرآن للدكتور صبحي الصالح، ص 266.

40 مباحث علوم القرآن ص 265 ـ 266.

41 أوائل المقالات، ط. النجف، سنة 1393، ص 155 ـ 156 للشيخ المفيد (ت: 413ه).

42 معالم الدين وملاذ المجتهدين للشيخ حسن بن زين الدين العاملي (ت: 1011ه)، ط. النجف، تحقيق البهبهاني، ص 369، (أصل في نسخ الكتاب والسنّة).

43 البيان في تفسير القرآن لاُستاذ الفقهاء السيِّد الخوئي، ط. النجف، سنة 1390، ص224 و 225؛ وأُصول الفقه للشيخ المظفر، ط. النجف 3 / 52، بحث نسخ الكتاب العزيز ـ حقيقة النسخ ـ.