دراسة مجموعة آيات القبلة
في ضوء ما درسناه من شأن نزول آيات القبلة يتيسر لنا فهم معنى الايات بوضوح، وللايجاز ندرس منها ما يخصُّ شأن القبلة دون ما ذكره اللّه بضمنها لاخذ العبرة منها.
* * *
بدأ اللّه سبحانه في ذكر أخبار تحويل القبلة وقال: (سيقول السُّفهاء من النَّاس ـ سواء اليهود منهم أو المشركون ـ ما ولاّهم عن قبلتهم قل للّه المشرق والمغرب) أي: له كلّتا القبلتين، أو جميع الارض، وما جعلنا قبلتكم بيت المقدس إلاّ امتحانا للنّاس، فإنّ الذين اتبعوا الرسول (ص) في صلاتهم بمكّة كانوا قد خالفوا قبلة قومهم، وانفصلوا عنهم.
وفي المدينة عندما تحولت القبلة أيضا كان منه امتحانا لمن أسلم من اليهود وحلفائهم ولغيرهم في اتباعهم أمر الرسول (ص) في ما يوحى إليه، وإن كانت لكبيرة إلاّ على من هداه اللّه، وكانت نتيجة عمل من صلّى إلى البيت المقدس في ما سبق تبديل القبلة، سواء الاحياء منهم أو الاموات، فإنّ اللّه لا يضيع عملهم.
* * *
كان هذا ما تحدّث اللّه به ـ سبحانه ـ من أمر الناس في هذه القصّة.
أمّا ما كان من أمر الرسول (ص)، فكان شأنه فيها ما أخبر اللّه عنه وقال: (قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنوليّنك قبلة ترضاها فولّ وجهك شطر المسجد الحرام...) وإنّ الّذين أُوتوا الكتاب علموا أن هذا التحول في القبلة هو الحقّ من ربّهم غير أنّه: (ولئن أتيت الّذين أُوتوا الكتاب بكلّ آية ما تبعوا قبلتك وما أنت بتابع قبلتهم) ـ كما زعموا ـ (ولئن اتبعت أهواءهم من بعد ما جاءك من العلم إنّك إذا لمن الظالمين).
قد يكون المقصود من هذا الخطاب أُمّة الرسول (ص)، وخاطب نبيّه بذلك من باب: (إيّاك أعني واسمعي يا جارة). كما له نظائر كثيرة في القرآن، ويدلّ على ذلك ما في الاية الّتي قبلها: (قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينّك قبلة ترضاها).
إذا فالرسول (ص) هو الّذي كان يطلب تحويل القبلة، وينتظر الاذن له. ويظهر من فحوى الكلام أنّه كان في أُمّته مَن ثَقُل عليه هذا الامر، وهو المعنيّ بهذا الخطاب.
ثمّ تصرّح الايات، أنّ أهل الكتاب: اليهود والنصارى يعرفون النبيّ وصفاته، وأنّه النبيّ الّذي يصلّي إلى قبلتين، وأنّ الاخيرة منهما الكعبة الّتي بناها إبراهيم، يعرفونه بهذا وبأكثر من هذا كما يعرفون أبناءهم، ثمّ يؤكد اللّه ـ سبحانه ـ الامر بالتوجه إلى الكعبة، ويقول: (وحيث ما كنتم فولوا وجُوهَكم شَطرَهُ لِئلاّ يَكون للنّاسِ عليكم حُجّة ـ في اتباع قبلتهم ـ إلاّ الّذين ظلموا منهم ـوهم المشركون بمكّةـ فلا تخشوهم واخشوني).
* * *
كان ذلكم تفسير الايات مع ملاحظة ما جاء في الروايات بيانا لشأن نزولها، أمّا ما قال علماء مدرسة الخلفاء، فإنّهم على عادتهم في تجزئة المجموعة الواحدة من الايات القرآنية، ثمّ درسهم كلّ آية على حدة، قالوا ورووا عن ابن عباس وابن مسعود وناس من الصحابة وعن عدد غير الصحابة كذلك(24) في تفسير آية:
(وَللّهِ ِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَـا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللّهِ) البقرة / 115 إنّ الناس كانوا يصلّون نحو بيت المقدس، فنزلت آية:
(وَمِنْ حَيْثُ خَرجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) (البقرة / 149) فنسخت تلك الاية.
في حين أنّ الاية الّتي زعموا أنّه كان فيها حكم القبلة إنّما جاءت تكملة لايات سبقتها، ومنها الاية الّتي قبلها: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَنَعَ مَسَاجِدَ اللّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا...) (البقرة / 114)، (وَللّهِ ِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللّهُ) (البقرة / 115) وهما بقية الايات السابقة، ولا صلة بين المجموعة وبين القبلة، وإنّما الكلام حول منع المصلّين من الصلاة في بيت المقدس أو البيت الحرام، وأنّ الارض كلّها للّه أين ما صلّوا فثمّ وجه اللّه.
إنّهم في ما قالوا: اقتطعوا من تلك المجموعة آية ومن هذه المجموعة نصف هذه الاية، أو نصف تلك، وجعلوا منهما ناسخا ومنسوخا، باجتهادهم الخاصّ، دون أن يكون لهم أي دليل على اجتهادهم! ولم ينحصر اجتهادهم في آيات القبلة بهذا، بل لهم فيها اجتهاد آخر وقول آخر في كشف الناسخ والمنسوخ بتلك الايات.
وفي الاجتهاد الثاني ضرر كبير في البحوث القرآنية وهو ما ذكره القرطبي وقال:
قوله ـ تعالى ـ (قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ في السَّمَاء...).
قال العلماء هذه الاية مقدمة في النزول على قوله ـ تعالى ـ: (سَيَقُولُ السُّفَهَاء مِنَ النَّاسِ)(25).
وعدّ الزركشي ـ أيضا ـ هذا المورد من الناسخ الّذي تقدّم على المنسوخ في القرآن(26).