أ ـ أخبار ما قبل تحويل القبلة

كانت الكعبة قبلة الانبياء قبل موسى بن عمران (ع)، وبعد موسى بن عمران (ع) أصبح بيت المقدس قبلة بني إسرائيل، ولم تنسخ إلى أن هاجر الرسول (ص) إلى المدينة.

وكان رسول اللّه (ص) في مكّة يستقبل في صلاته الكعبة وبيت المقدس معا، وعندما هاجر إلى المدينة لم يكن ذلك ميسورا، فاستقبل في صلاته بيت المقدس، وكان يعلم أنّ القبلة ستتحوَّل إلى الكعبة(21).

ويدل على ذلك ما رواه ابن هشام في خبر البيعة الثانية الكبرى بالعقبة، عن كعب بن مالك، وكان قد حضر البيعة الثانية، قال كعب ما موجزه:

خرجنا في حجّاج قومنا من المشركين، وقد صَلَّينا وفَقُهنا، ومعنا البراء بن معرور سيِّدنا وكبيرنا، فلما وجَّهنا لسفرنا فخرجنا من المدينة، قال البراء لنا: يا هؤلاء إنِّي قد رأيت رأيا وواللّه ما أدري أتوافقونني عليه أم لا؟ قال: قلنا: وما ذاك؟

قال: قد رأيت ألا أدع هذه البَنِيَّة منِّي بِظَهْرٍ (يعني الكعبة) وأن أُصلّي إليها.

قال: فقلنا: واللّه ما بلغنا أنَّ نبينا (ص) يصلي إلاّ إلى الشام، وما نريد أن نخالفه.

قال: فقال: إنِّي لَمُصَلٍّ إليها.

قال: فقلنا له: لكنّا لانفعل، قال: فكنّا إذا حضرت الصلاة، صلَّينا إلى الشام، وصلَّى إلى الكعبة، حتّى قدمنا مكَّة.

قال: وقد كنَّا عِبْنَا عليه ما صنع، وأبى إلاّ الاقامة على ذلك، فلمّا قدمنا إلى مكّة قال لي: يا ابنَ أخي! انطلق بنا إلى رسول اللّه (ص) حتّى أسأله عمّا صنعت في سفري هذا، فإنّه واللّه لقد وَقَع في نفسي منه شيء لما رأيت من خلافكم إيّاي فيه.

قال: فخرجنا نسأل عن رسول اللّه (ص) فقيل لنا يجلس مع العباس بن عبدالمطلّب، فقد كنّا نعرف العباس كان لايزال يقدم علينا تاجرا فدخلنا المسجد، فإذا العباس (رض) جالس ورسول اللّه (ص) جالس معه، فسلمنا ثمّ جلسنا إليه... فقال البراء بن معرور: يا نبيَّ اللّه! إنِّي خرجت في سفري هذا وقد هداني اللّه للاسلام، فرأيت ألاّ أجعل هذه البَنِيَّة منِّي بظهر، فصلَّيتُ إليها، وقد خالفني أصحابي في ذلك، حتى وقع في نفسي من ذلك شيء، فماذا ترى يا رسول اللّه؟

قال: ((قَدْ كُنْتَ عَلَى قِبْلةٍ لَوْ صَبَرْتْ عَلَيْهَا)).

قال: فرجع البراء إلى قبلة رسول اللّه (ص)، وصلّى معنا إلى الشام قال: وأهله يزعمون أنّه صلَّى إلى الكعبة حتّى مات.

قال ـ كعب ـ: وليس ذلك كما قالوا(22).

* * *

قال المؤلّف:

مهما يكن من أمر صلاة البراء بعد ذلك فإنّ الرسول (ص) لم ينكر عليه استقبال الكعبة.

ومفهوم كلام الرسول (ص) له: ((لو صبرت عليها)) حتّى يحين موعد التحوّل إلى الكعبة.

وهذا الكلام إقرار من الرسول (ص) لصحّة عمله وإرشاد منه له أن يصبر فعلا حتّى يحين موعد تحويل القبلة.

ب ـ أخبار تحويل القبلة وما بعدها

لمّا هاجر النبيّ (ص) إلى المدينة بقي ـ على الاشهر ـ سبعة عشر شهرا يستقبل في صلاته بيت المقدس، فقالت اليهود: (يخالفنا محمّد ويتبع قبلتنا).

فكان رسول اللّه (ص) إذا سلم من صلاته إلى بيت المقدس ، رفع رأسه إلى السماء ينتظر أمر اللّه، فولاّه اللّه قبلة يرضاها وكان اليهود يعلمون ـ شأن القبلتين ـ ويكتمون صفة النبيّ (ص)، وأمر القبلتين.

ولمّا صرف اللّه نبيّه إلى الكعبة، قال أهل الكتاب: اشتاق الرجل إلى بيت أبيه ودين قومه!

وقال المشركون من أهل مكّة: تحير على محمد دينه، فتوجه بقبلته إليكم وعلم أنّكم أهدى منه سبيلا ويوشك أن يدخل في دينكم!

وأشفق المسلمون على من صلّى منهم ـ إلى بيت المقدس ـ ألاّ تقبل صلاتهم الماضية، فقالوا: يا رسول اللّه! فكيف بالّذين ماتوا وهم يصلّون إلى بيت المقدس؟

وقيل ـ أيضا ـ إنّ ناسا من أسلم ـ من الانصار ـ رجعوا ـ عن الاسلام ـ وقالوا: مرَّة هاهنا! ومرَّة هاهنا(23)!

* * *

كانت تلكم أخبار تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة، وفي ما يأتي آياتها:

قال اللّه سبحانه:

(سَيَقُولُ السُّفَهَاء مِنَ النَّاسِ مَا وَلاهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُل للّهِ ِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَن يَشَاء إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * وَكَذلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطا لِتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللّهُ وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِيعَ إِيَمَانَكُمْ إِنَّ اللّهَ بالنَّاسِ لَرؤوُفٌ رَحِيمٌ * قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاء فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَبِّهِمْ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ * وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُم بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم مِن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذا لَمِنَ الظَّالِمِينَ * الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمْ وإِنَّ فَرِيقا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ

الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ * الْحَقُّ مِن رَبِّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ * وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللّهُ جَمِيعا إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْء قَدِيرٌ * وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِن رَبِّكَ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ * وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلايَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلاِ ُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ). (البقرة / 142 ـ 150)


21 راجع تفسير الطبري 2 / 3 ـ 4؛ وتفسير السيوطي 1 / 146.

22 سيرة ابن هشام 2 / 47 ـ 48؛ وأُسد الغابة بترجمة البراء بن معرور.

وكعب بن مالك بن القين الخزرجي السلمي. كان أحد شعراء النبيّ (ص)، وأحد الثلاثة الّذين تخلفوا عن تبوك، وتاب اللّه عليهم. رووا عنه ثمانين حديثا. توفي في خلافة الامام عليّ (ع). سورة التوبة / 118.

أُسد الغابة 4 / 247 ـ 248؛ وجوامع السيرة ص 278؛ وتقريب التهذيب 2 / 135.

والبراء بن معرور الخزرجي السلمي، كان أوّل من بايع الرسول في العقبة. وتوفي في صفر قبل قدوم رسول اللّه (ص) المدينة مهاجرا بشهر، وأوصى أن يدفن وتستقبل به الكعبة، ففعلوا ذلك ولما قدم النبيّ المدينة صلَّى على قبره وكبر أربعا. أُسد الغابة 1 / 173.31

23 ما أوردناه من أخبار تحويل القبلة موجز من الروايات في تفسير آيات القبلة بتفسير الطبري 2 / 3 ـ 5؛ والسيوطي 1 / 146. وما أضفناه إليها للتوضيح كتبناه بين خطين تمييزا له من نصوص الروايات.