عاشرا ـ التنبيه على ثلاثة أُمور قبل دراسة (ما نسخ حكمها في قولهم)
قبل دراسة الايات الّتي قالوا عنها: (نسخ تلاوته وبقي حكمه)(7) وقال بعضهم: (آية نسخت آية أُخرى)(8)، ينبغي التنبيه على الاُمور الثلاثة الاتية:
أ ـ إنّ كثيرا من الاحكام كانت تنزل بوحي غير قرآني، وبعد عمل المسلمين بها كان ينزل في القرآن خبر ذلك. وفي هذا الصدد قال السيوطي في الاتقان:
(النوع الثاني عشر... ما تأخّر نزوله عن حكمه).
وقال: (ومن أمثلته قوله ـ تعالى ـ: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَراء...) الاية، فإنّها نزلت سنة تسع، وقد فرضت الزكاة قبلها في أوائل الهجرة)(9).
قال المؤلّف:
وكذلك شأن نزول حكم الصلاة بسجداتها وركعاتها وأذكارها ووضوئها، فإنّ رسول اللّه (ص) بعث يوم الاثنين، وعلّمه جبرائيل الصلاة يوم الثلاثاء، فصلّى هو وعليّ بن أبي طالب وخديجة(10)، ثمّ تتابع نزول أحكام الصلاة وأجزائها وشرائطها في القرآن بعد ذلك.
وكثير من الاحكام الاسلاميّة ـ أيضا ـ أُنزل على رسول اللّه ابتداء بوحي غير قرآني وعمل بها المسلمون، ثمّ نزل في القرآن خبره وحكمه.
وفي الاحكام الاسلاميّة وعلومها ما نزل ابتداء بوحي قرآني، ولعلّ منها قوله تعالى: (وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاء قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ...) (النِّساء / 127)، وقوله تعالى: (وَيَسْألُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي...) (الاسراء / 85).
ب ـ قد يأتي في القرآن ذكر المتأخّر زمانا قبل المتقدّم عليه لداعٍ بلاغي.
وفصَّل الزركشي القول في أسباب التقديم والتأخير في القرآن في فصلين، ذكر في الاوّل أسبابه وفي الثاني أنواعه، بعد أن قال: (القول في التقديم والتأخير وهو أحد أسباب البلاغة... وله في القلوب أحسن موقع، وأعذب مذاق...)(11).
وممّا ذكره مثالا للمتأخّر الّذي تقدّم ذكره ما يأتي:
قال: (وأمّا قوله: (أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى * وإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى) (النَّجم / 36 ، 37)، فإنّما قدّم ذكر موسى لوجهين: أحدهما أنّه في سياق الاحتجاج عليهم بالترك، وكانت صحف موسى منتشرة أكثر انتشارا من صحف إبراهيم. وثانيهما مراعاته رؤوس الاي)(12).
وفي مكان آخر قال:
(وقد جاء: (فَأَخَذَهُ اللّهُ نَكَالَ الاْ َّخِرَةِ وَالاْ ُولَى) (النازعات / 25)، و(أَم لِلاْ ِ نْسَانِ مَا تَمَنَّى * فَلِلّهِ الاْ َّخِرَةُ وَالاْ ُولَى) (النَّجم / 24 ـ 25) ـ بتقديم الاخرة على الاُولى ـ لمناسبة رؤوس الاي)(13).
قال المؤلّف:
ومن هذا النوع ما حكاه سبحانه وتعالى في خبر ذبح بني إسرائيل البقرة وقال:
(وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُواْ بَقَرَةً... * ... فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ * وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ * فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذلِكَ يُحْيِي اللّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ * ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبِكُم مِّنْ بَعْدِ ذلِكَ...). (البقرة / 67 ـ 74)
فإنّ قوله تعالى (وَإِذْ قَتَلْتُم نَفْسا فَادَّارَأْتُمُ فِيهَا) مقدّم زمانا على تمام ما جاء سابقا عليه، إلى قوله تعالى: (فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ).
قال البغوي: (وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسا فَادَّارَأْتُمْ): هذا أوّل القصة وإن كانت مؤخرة في التلاوة(14).
وإذا أمعنّا النظر في الايات الانفة الذكر، نرى أن اللّه ـ سبحانه ـ بعد ما ذكر تعنّت بني إسرائيل في تنفيذ ما أمرهم به، أوجز القصّة أخيرا مع ذكره نهاية الامر لاخذ العبرة منها في قدرته على إحياء الموتى، ثمّ وصله بقوله لبني إسرائيل: (ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِنْ بَعْدِ ذلِكَ).
ونبّه المسلمين بعد ذلك ألاّ يطمعوا في إيمان بني إسرائيل بخاتم الانبياء وشريعته مع حالتهم الّتي ذكرها مع نبيّهم موسى بن عمران (ع).
ومن هذا النوع ـ أيضا ـ ما قصَّه سبحانه من خبر نوح مع ابنه وقال: (وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلاَ تَكُن مَعَ الْكَافِرِينَ * قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاء قَالَ لاَ عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللّهِ إِلا مَن رَحِم وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ * وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءكِ وَيَا سَمَاء أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاء وَقُضِي الاْ َمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْني مِنْ أَهْلِي وإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ * قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ...). (هود / 42 ـ 46)
إنّ هذه الايات الّتي جاءت ضمن مجموعة آيات 42 ـ 46 من سورة هود تقصُّ خبر نوح مع قومه وصنعه السفينة وغرق قومه ونجاته وأهل السفينة وهبوطهم بسلام، وقد جاء ذكر نوح وابنه فيها مرّتين، واتّصال كلّ منهما مع ما قبلها وما بعدها واضح لمن تدبّر الايات.
وقد جاء في الاخيرة بعد إخباره ـ تعالى ـ عن استواء السفينة على الجودي، أي تأخّر ذكره هنا، وهو متقدّم على استواء السفينة.
ونظائره، أي تقديم ذكر المتأخّر كثيرة في القرآن، كما شاهدنا ذلك في ذكر: (صحف إبراهيم) بعد (صحف موسى) في سورة النّجم.
ج ـ تعدادهم في هذا الصنف ما ليس منه:
قال السيوطي في شأن هذا الصنف: ما نسخ حكمه دون تلاوته:
(وهو في الحقيقة قليل جدّا وإن أكثَرَ الناس من تعديد الايات).
وقال: (وإنّ الّذي أورده المكثرون أقسام: قسم ليس من النسخ في شيء ولا من التخصيص).
ثمّ عدّ تسع عشرة أو عشرين آية اعتبرها ممّا نسخ حكمه دون تلاوته(15) ونحن نقول:
إنّ بعض ما عدّه السيوطي: ممّا نسخ حكمه ـ أيضا ـ ليس من هذا الصنف.
وقد فصّل القول أُستاذ الفقهاء السيِّد الخوئي في بيان نيف وثلاثين موردا منه في تفسيره (البيان)(16) ولا حاجة لبيانها هنا.
* * *