تسرّب تفسير أتباع مدرسة الخلفاء للايتين أو بالاحرى اجتهادهم فيهما مع الروايات الّتي استدلّوا بها إلى بعض تفاسير مدرسة أهل البيت، مثل مجمع البيان في تفسير القرآن للطبرسي. فقد قال بتفسير: (مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ...) في بيان لغة النسخ ما نصُّه كالاتي:
(والنسخ في القرآن على ضروب منها أن يرفع حكم الاية وتلاوتها، كما روي عن أبي بكر(2) أنّه قال:
كُنّا نقرأ [لاترغبوا عن آبائكم فإنّه كفر بكم].
ومنها أن تثبت الاية في الخط، ويرفع حكمها كقوله: (وإن فاتكم شيء من أزواجكم إلى الكفّار فعاقبتم...) الاية، فهذه ثابتة اللفظ في الخط مرتفعة الحكم(3).
ومنها ما يرتفع اللفظ، ويثبت الحكم، كآية الرجم، فقد قيل : إنّها كانت مُنزَلَة، فرفع لفظها . وقد جاءت أخبار كثيرة بأن أشياء كانت في القرآن، فنسخ تلاوتها، فمنها ما روي عن أبي موسى أنّهم كانوا يقرأون: [لو أنّ لابن آدم واديين...])(4).
وقال في تفسير (وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً...) من تفسيره:
(معناه وإذا نسخنا آية، وآتينا مكانها آية أُخرى... إمّا نسخ الحكم والتلاوة، وإمّا نسخ الحكم مع بقاء التلاوة...)(5).
هكذا نقل الطبرسي قول مدرسة الخلفاء بأصناف النسخ دون أن يصرّح بمصدر القول، ونقل استدلالهم برواياتهم دون أن يصرّح بمصدر الروايات، ويقول إنّها من روايات مدرسة الخلفاء ومنقولة من كتب حديثهم.
وسبق الشيخ الطوسي الطبرسي بتفسير الايتين في تفسيره التبيان وأسند الرواية: كنّا نقرأ [لاترغبوا عن آبائكم فإنّه كفر بكم] إلى أبي بكر، بينما هي مروية عن عمر.
ومن ثمّ اتّضح أنّ الطبرسي نقلها عن تفسير التبيان للشيخ الطوسي.
ويظهر من كلامهما أنّهما تبنّيا القول بأصناف النسخ الّذي ابتكرته مدرسة الخلفاء.
ومن تفسير هذين العلمين من أعلام مدرسة أهل البيت انتشر بعض ما نقلاه في تفسير الايتين إلى تفاسير أُخرى بمدرسة أهل البيت مثل تفسير أبي الفتوح الرازي وتفسير كازر.
ولا سيّما في تفسير لفظ (آية) في الموردين، فإنّهم فسّروها بمعنى جزء من السورة، بينما المراد من (آية) فيها غير هذا المعنى.
وخالفهم في ذلك صاحب أطيب البيان، فإنّه فسّرها كما تفسر في مدرسة أهل البيت (ع)
(6).
وندرس بحوله تعالى روايات النسخ والايات الّتي قالوا عنها: إنّها منسوخة في ما يأتي.