سادسا ـ دراسة موارد استعمال مادّة (الاية) في المعنى اللّغوي والمعنى الاصطلاحي في القرآن الكريم

نذكر هنا ما مرّ بنا في بحث المصطلحات من الجزء الاوّل ونقول:

جاءت مادّة (الاية) في المعنى اللّغوي والاصطلاحي في اثنتين وثمانين وثلاثمائة مورد في القرآن الكريم بالتفصيل الاتي:

أ ـ جاءت بلفظ المفرد (آية) أربعا وثمانين مرّة.

ب ـ جاءت بلفظ المثنى (آيتين) مرّة واحدة.

ج ـ جاءت بلفظ الجمع (آيات) ثمانيا وأربعين ومائة مرّة.

د ـ وجاءت تسعا وأربعين ومائة مرّة بلفظ: (آيتك، آياتك، آياتنا، آياته، آياتها، آياتي).

ومرّ بنا في بحث المصطلحات أنّ معنى (الاية) اللّغوي: العلامة الظاهرة على شيء محسوس أو الامارة الدالّة على أمر معقول.

وأنّها في المصطلح الاسلامي استعملت في المعاني الاتية:

أ ـ معجزات الانبياء.

ب ـ كلّ حكمٍ من شريعة اللّه جاء في فصل أو فصول من القرآن أو الكتب السماوية الاُخرى.

ج ـ جزء من السورة مشخص بالعدد.

وأنّه لم يرد بالمعنى الاخير في القرآن الكريم بغير لفظ الجمع.

وفي ما يأتي أمثلة ممّا جاء من المعاني الانفة الذكر في القرآن الكريم:

أوّلا ـ المعنى اللّغوي مثل قوله تعالى:

أ ـ (وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ...). (الاسراء / 12)

ب ـ (... وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاء وَالاْ َرْضِ لاَ َّيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ). (البقرة / 164)

ثانيا ـ المعنى الاصطلاحي

أ ـ مثال ما جاء بالمعنى الاصطلاحي الاوّل، قوله تعالى:

(هذِهِ نَاقَةُ اللّهِ لَكُمْ آيَةً) (الاعراف / 73)، و(هود / 64).

ب ـ مثال ما جاء بالمعنى الاصطلاحي الثاني قوله تعالى مخاطبا أزواج الرسول (ص):

(وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللّهِ وَالْحِكْمَةِ). (الاحزاب / 34)

وقوله تعالى:

(وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا). (القصص / 59)

ج ـ ومثال ما جاء في المعنى الاصطلاحي الثالث ـ الجزء من السورة المشخص بالعدد ـ قوله تعالى:

(الَّر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ). (يوسف / 1)

ولمّا كانت مادّة (الاية) مشتركة بين عدة معانٍ إصطلاحية ولغوية، واستعمل في جميعها في الكتاب والسنّة، لابدّ أن يأتي في الكلام قرينة دالّة على المعنى المقصود من الاية، كما هو شأن غيرها من الالفاظ الّتي لها معان متعددة ـاللفظ المشتركـ ولنضرب لها مثالا في المصطلح الاسلامي بـ (الصلاة):

إنّ الصلاة كانت في اللّغة بمعنى الدُّعاء.

وفي المصطلح الاسلامي وضعت لعدّة معان، منها: الصلاة اليومية وصلاة العيدين والجمعة والكسوف والخسوف وغيرها، فلابدّ في استعمالها من وجود قرينة تعيِّن المعنى المقصود من اللفظ، فيقال ـ مثلا ـ: إذا انخسف القمر وجب عليك أن تصلّي ركعتين، تقرأ في الاُولى الحمد و... ثمّ تركع و...

وكذلك الشأن مع (الاية)، فإنّها لمّا كانت مشتركة في المصطلح الاسلامي بين عدّة معان كاللاّتي ذكرناها آنفا، لاتستعمل في الكلام دونما قرينة تدلّ على المعنى المقصود منها.

فيقال ـ مثلا ـ: (هذِهِ نَاقَةُ اللّهِ لَكُم آيَة) ونفهم من ذكر الناقة في المثال الاوّل أنّ المقصود من الاية، الاية المعجزة للانبياء (ع).

ونفهم من ذكر لفظي (مَا يتلى) و(الحِكْمَة) في المثال الثاني، أنّ المراد من الايات أحكام من الشرع الاسلامي جاءت في فصول من القرآن الكريم، وحِكَم إلهيّة، وذلك لان معنى: تلا الكتاب تلاوة: قرأه بتدبّر في معانيه، والتدبّر في المعنى يصدق على تفهّم معاني الاحكام.

وكذلك (الحِكْمَة) يكون في ما جاء بمعاني الايات.

وكذلك الشأن في قوله ـ تعالى ـ: (رَسُولا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا)، فإنّ المراد: رسولا يتلو عليهم الاحكام في فصول كتاب اللّه.

وفي المثال الثالث نفهم من ذكر (الَّر) والاشارة بـ (تِلْكَ) إليها، أنّ المقصود من الايات مجموعات تتكون من حروف كالالف

واللاّم والرّاء. إذا فإنّ معنى الايات هنا مجموعات لفظيّة اعتبر فيها تجمع الالفاظ دون المعنى، وهي المجموعات الّتي تشخّص بالاعداد، ومن مجموعها تتكوّن السورة.

وبناء على القول بعدم وجود المشترك اللّفظي في القرآن، فلابدّ ـ أيضا ـ من القول بلزوم وجود قرينة تدلّ على الفرد المقصود من مصاديق المعنى الكلِّي عند استعمال اللفظ الموضوع للمعنى الكلِّي وإرادة فرد خاص من مصاديقه. وبناء على ما قرّرناه لابدّ إذا من وجود قرينة في الموارد المذكورة في البحث على كلاّالتقديرين.

إذا فإنّ الاية في الكتب السماوية، إمّا أن تكون اسما لمعان جاءت فيها وهي الاحكام أو اسما لمجموعة كلمات مُيِّزت بالاعداد في القرآن الكريم.