قبل البدء بدراسة الايات الّتي قالوا عنها ناسخة ومنسوخة ينبغي التنبيه على ما يأتي:
إنّ الايات الكريمة في السور الكبيرة تنقسم بحسب نزولها على نوعين:
أ ـ ما نزلت كلّ آية منها على حدة لتبيّن حكما إسلاميّا أو تكشف حقيقة من حقائق الغيب والشهادة مثل قوله تعالى:
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُوا الصَّلاَةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلاَ جُنُبا إِلا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِن كُنتُم مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاء أَحَدٌ مِنْكُم مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء فَلَمْ تَجِدُوا مَاء فَتَيَمَّمُوا...). (النِّساء / 43)
فإنّ هذه الاية لا علاقة لها بما قبلها وما بعدها في مغزاها، بل هي وحدة متكاملة، وينبغي أن تدرس كذلك على حدة.
ومثل قوله ـ تعالى ـ:
(يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ وَإِن لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ). (المائدة / 67)
فإنّ هذه الاية لا علاقة بينها وبين الاية 66 قبلها، ولا بينها والاية 68 بعدها، فإنّ الايات تتسلسل بهذا النحو:
(وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّورَاةَ وَالاْ ِ نْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِم مِنْ رَبِّهِمْ لاَ َكَلُوا مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاء مَا يَعْمَلُونَ). (المائدة / 66)
(يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ...). (الاية 67)
(قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْء حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالاْ ِ نْجِيلَ...). (المائدة / 68)
إنّ الاية 67 (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ...) لا صلة بينها وبين الاية 66 قبلها، بل إنّ الاية 66 هي نهاية للكلام في سلسلة آيات سبقتها. وكذلك الاية 68 بعدها بداية لسلسلة آيات تأتي بعدها. وإنّ الاية 67 (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ...) بنفسها وحدة متكاملة، وينبغي أن تدرس على حدة.
ب ـ ما نزلت ضمن مجموعة تبيّن بمجموعها حكما إسلاميّا، أو تكشف عن حقيقة من حقائق الغيب والشهادة، ولا تصحّ عندئذ دراسة مثل تلك الاية بمفردها ومجزأة عمّا قبلها وما بعدها، بل يلزم أن ندرسها ضمن مجموعتها الّتي هي جزء منها كما سيأتي بيانها بحوله تعالى.