رابعا ـ الاحكام الاسلاميّة الّتي تتناسب وفطرة الانسان الّذي يعيش في زمان خاصّ ومكان خاصّ وحالة خاصّة

أوردنا في ما سبق أمثلة من الاحكام الاسلامية الّتي شرّعها اللّه متناسبة مع فطرة الانسان بمفرده وفي الاُسرة والمجتمع، ووجدناها تتناسب مع مصلحته متى ما كان وأينما كان.

ومن الاحكام الاسلاميّة ما تتناسب مع فطرة إنسان يعيش في زمان خاصّ ومكان خاصّ ومجتمع خاصّ، والحكم عندئذ محدود بحدود ذلك الزمان والمكان والمجتمع، فإذا تغيّرت، ارتفع ذلك الحكم ونسخ، ومثاله في الشرائع بعضها مع بعض: المناسك والشعائر، مثل أيام الاعياد والقبلة وأيام الصوم.

وفي ضوء ما تقدَّم تتيسّر لنا دراسة حكمة نسخ بعض الاحكام أو نسخ صور بعض الاحكام في شرائع الانبياء.

أ ـ حكمة نسخ بعض الاحكام أو صور الاحكام في شرائع الانبياء

إنّ الانسان أينما كان وكيف ما كان يحتاج إلى:

أ ـ الصوم أيّاما معدودات في السنة.

ب ـ عطلة يوم في الاُسبوع استجماما للراحة.

ج ـ قبلة يتوجّه إليها في الصلاة والعبادة.

د ـ أيّامٍ خاصّة يعيّد فيها المجتمع الانساني ويحتفل بها.

وشرّع اللّه لبني إسرائيل سدّا لتلك الحاجات:

الصِّيام ـ مثلا ـ في أيّام أنزل اللّه بركاته عليهم. وكذلك في ما جعل اللّه لهم أيّام عيد خاصّة والسبت عطلتهم، وجعل قبلتهم بيت المقدس مسجد أنبيائهم ومحلّ نزول البركات عليهم.

ولمّا انقطعت صلتهم بأنبيائهم، خلطوا شريعتهم بضلالات وجهالات تحت عنوان تلك الشعائر والمناسك، وامتزج الحقّ بالباطل في ما يتمسكون به باسم الدين حتّى لم يَعُدِ الحقّ صريحا لاحد واستمروا على ذلك إلى أن أرسل اللّه خاتم أنبيائه محمّدا (ص)، فبدّل اللّه الصوم من أيّام كانت لديهم إلى أيّام شهر رمضان الّذي أنزل اللّه فيه القرآن في ليلة القدر، وكذلك بدّل الاعياد والعطلة الاُسبوعية.

وأوضح مثال لبيان حكمة التبديل والنسخ، أمر تحويل القبلة، فإنّ المسلمين لمّا كانوا بمكّة مخالطين للمشركين الّذين يرون أنفسهم ورثة دين إبراهيم ومستقبلي قبلة البيت الحرام، وخلطوا ذلك بجهالاتهم وضلالاتهم، جعل اللّه قبلة المسلمين البيت المقدس، ليمتازوا منهم ويكوّنوا أُمّة خاصّة متميزة من الوثنيين.

ولمّا هاجروا إلى المدينة، وخالطوا اليهود الّذين كانوا قد حرّفوا شريعة موسى (ص) وخلطوها بجهالات وضلالات، استفاد اليهود من استقبال المسلمين قبلتهم بيت المقدس، وقاموا بإلقاء الشبهة وتشويش الاذهان بأقوالهم، فضاق الرسول ذرعا بهم، فحوّل اللّه القبلة إلى الكعبة بعد سبعة عشر شهرا من هجرة الرسول إلى المدينة.

* * *

كانت تلكم أمثلة توضح الحكمة في نسخ بعض أشكال الاحكام من شرائع أنبياء السلف.

وندرس في ما يأتي بحوله تعالى حكمة نسخ بعض أحكام شريعة خاتم الانبياء وحقيقة الامر فيها.

ب _ حكمة النسخ في بعض أحكام شريعة خاتم الانبياء وحقيقة الامر فيها

نضرب مثالا واحدا يبيّن حكمة النسخ في بعض أحكام شريعة خاتم الانبياء وحقيقة الامر فيها، بحكم توارث المتآخين من المهاجرين والانصار في أوائل الهجرة حين كان أولو أرحام المهاجرين بمكّة مشركين.

ونسخ هذا الحكم بعد فتح مكّة، قال اللّه ـ سبحانه وتعالى ـ: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيل اللّهِ وَالَّذِينَ آوَوا وَنَصَرُوا أُولئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ) إلى قوله تعالى: (وَأُولُو الاْ َرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ في كِتَابِ اللّهِ...).(الانفال / 72 ـ 75)

عن الصحابي الزُّبير ما ملخصه:

(قال: لمّا قدمنا المدينة، قدمنا ولا أموال لنا فوجدنا الانصار نعم الاخوان فواخيناهم وتوارثنا... حتّى أنزل اللّه هذه الاية فينا معشر قريش والانصار فرجعنا إلى مواريثنا)(62).

وعن ابن عباس، قال: آخى رسول اللّه (ص) بين أصحابه وورث بعضهم بعضا حتّى نزلت هذه الاية: (وَأُولُو الاْ َرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ في كِتَابِ اللّهِ)(63).

وبناء على ما ذكرنا كان حكم التوارث بالمؤاخاة مخصوصا بالمتآخين من المهاجرين والانصار مدّة بقأ أُولي أرحامهم مشركين بمكّة، وبين الاعراب. وارتفع هذا الحكم، ونسخ بانقضاء ذلك الزمان ودخول الناس في دين اللّه أفواجا، وأصبح حكمهم في الارث ما في كتاب اللّه، أي ما كتب اللّه لجميع البشر، (وَأُولُو الاْ َرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ).

* * *

كذلكم شأن الاحكام الاسلاميّة في تناسبها مع فطرة الانسان الّتي لاتبديل لها وتحقيقها لمصالحه في مختلف حالاته، (ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَيَعْلَمُونَ). (الرُّوم / 30)

وذلكم شأن النسخ: انتهاء الحكم المتناسب مع فطرة الا نسان في وقت خاصّ بانتهاء زمانه.

يوحي اللّه إلى نبيّه نهاية الحكم الاوّل وبداية الحكم الثاني وفق حكمته وتحقيقا لمصالح الانسان.

وفي ضوء ما بيّناه يتيسّر لنا ـ بحوله تعالى ـ بعد تمهيدين نذكرهما خامسا وسادسا دراسة أصناف النسخ الّتي ذكرها العلماء في ما يأتي.


62 بتفسير الاية من الدرّ المنثور 3 / 207؛ وتفسير الطبري 10 / 36 ـ 37؛ وراجع تفسير الاية بتفسير ابن كثير 2 / 330 ـ 331.

63 نفس المصدر السابق.