ثانيا ـ تناسب الاحكام الاسلامية المشرعة للانسان الذكر وللانسان الاُنثى مع فطرة كلّ منهم:

قال اللّه سبحانه: (يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الاُْنثَيَيْنِ). (النِّساء / 11)

وقال: (وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِجَالِكُمْ فَإِن لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاء أَن تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الاْ ُخْرَى). (البقرة / 282)

في هذين الحكمين، روعيت مقتضيات فطرة كلّ من الانسان الذكر والانسان الاُنثى. فإنّ اللّه ـ سبحانه ـ حين خلق الانسان، فطره رجلا وامرأة ليقوم كلّ منهما بما هُيِّئ له من عمل في الاُسرة ليكمل أحدهما الاخر.

فطر المرأة لتحمل تسعة أشهر، وترضع سنتين، ويستلزم الكمال في أداء الوظيفتين الاستقرار في البيت ورقّة العواطف والاستجابة السريعة للعواطف، لتقوم بدور الاُمومة ورعاية النسل بكلّ وجودها.

وهي في نفس الوقت بحاجة إلى من يتكفّل بإعالتها وإعالة وليدها بجميع مستلزمات الحياة والاعاشة.

وفطر الرجل، وهيّأه لاداء هذه الوظيفة من قوّة الجسد وصلابة الرأي والاستقامة في العزيمة وكلّ ما يتطلبه العمل لاعالة الاُسرة من تحمل الصعاب خارج البيت.

ثمّ شرّع في أحكام الاسلام ما يتناسب وما أُهلا له. فللرجل الّذي يعيل نفسه وزوجه وولده وأحيانا أُمّه وأُخته: (مِثْلُ حَظِّ الاْ ُنثَيَيْنِ) في الارث.

وشهادة الاُنثى الّتي تستجيب لعواطفها وتضعف أمام إحساساتها وبموجبه قد تنسى الحقّ، مع شهادة أُنثى أُخرى تذكّرها الحقّ تقابل شهادة الرجل الواحد ذي الارادة الصلبة والعزيمة القويّة.

كان ذان مثالين للاحكام الاسلامية الّتي شرّعها اللّه متناسبة مع فطرة الانسان الذكر والانسان الاُنثى.

ثالثا ـ أحكام اسلاميّة تتناسب مع فطرة الانسان في حالة خاصّة:

ونضرب لها مثالا من النظام الاقتصادي المتناسب مع فطرة الانسان في المجتمع.

الانسان في مجتمع المدينة ينتج سلعا، ويستهلك سلعا أُخرى، فهو أبدا ودائما بحاجة إلى بيع منتوجه وشراء منتوج غيره، ومن ثمّ يتكون مجتمع المدينة من البائع والمشتري، وأحيانا لايملك منتوجا يبيعه، بل يملك عملا منتجا يضطر إلى بيعه لمن يشتريه، ومن ثمّ يتكوّن في المجتمع أجير ومستأجر. وقد تفصل المسافات بين المنتج والمستهلك، فيحتاجان إلى الوسيط وهو التاجر.

وهذه الحالات في المجتمع البشري من سنن اللّه الّتي لاتبديل لها. وقد شرّع اللّه لها البيع والشراء والتجارة والايجار والاستئجار، قال اللّه سبحانه:

(أَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ...).

وقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إِلا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِنكُمْ...). (النِّساء / 29)

وقال: (... إِلا أَن تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا). (البقرة / 282)

وقال يحكي وقوع الايجار والاستئجار بين نبيِّيه شعيبٍ وموسى 8:

(قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الاْ َمِينُ * قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنِكحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِحَجٍ...). (القصص / 26 ، 27)

شرّع اللّه هذه الاحكام للانسان في المجتمع بشرط أن يعملوا بالعدل، ولا يأكلوا أموالهم بينهم بالباطل، كالرِّبا الّذي حرّمه اللّه.

شرّع اللّه هذه الاحكام للانسان في المجتمع أبد الدهر وقال عن بني إسرائيل: (وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ) (النِّساء / 161)

تلكم الاحكام الاسلاميّة ونظائرها، شرّعها اللّه متناسبة مع فطرة الانسان الّذي يعيش في المجتمع.

وشاءت الانظمة الشيوعيّة أن تغيّر سنن اللّه في الخلق، وترفع من المجتمع البيع والشراء ـ التجارة ـ والايجار والاستئجار، وخسئت حين بدّلت في عملها الفرد المشتري والمستأجر بقادة الحزب والدولة، وحصرت المشتري والمستأجر بالحاكم، وأصبح الاجير والمنتج في مجتمعهم عبدا قِنّا للدولة لايملك من أمره شيئا.

وفي مقابلها المجتمعات الرأسمالية، تأكل أموال الناس بالباطل بظلم فاحش مثل الرِّبا والاحتكار والقمار، إلى ضلالات وجهالات لم تشهد الجاهلية الاُولى نظيرها، وأصبح أفراد المجتمعين الرأسمالي والشيوعي في ضنك من العيش، ومن أعرض عن ذكر اللّه وحكمه، فإنّ له معيشة ضنكا.