أوّلا ـ الاحكام الاسلامية الّتي تحقّق مصالح الانسان من حيث هو انسان
من أمثلة الاحكام الاسلامية الابدية والدائمة ما عبر عنها القرآن بلفظ من مادّة:
أ ـ أحلَّ.
ب ـ حرَّم.
ج ـ (كُتِبَ) على الانسان.
د ـ وصَّى.
على أن تكون كلّها منسوبة إلى اللّه تعالى. وفي ما يأتي بيانه:
أ وب ـ أمثلة من أحكام الاسلام الابدية الّتي جاءت في القرآن بلفظ (أحلَّ) و(حرَّم) كقوله تعالى:
1 ـ (وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا). (البقرة / 275)
2 ـ (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ... وَأَخَوَاتُكُم مِنَ الرَّضَاعَةِ... وَحَلاَئِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ
أَصْلاَبِكُمْ).(النِّساء / 23)
3 ـ (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ...). (المائدة / 3)
أي: حرّم اللّه عليكم أُمّهاتكم و... وحرّم عليكم الدم و...
ج ـ مثالان من أحكام الاسلام الابدية الّتي جاء ذكرها في القرآن بلفظين من مادّة (كُتِبَ) قوله تعالى:
1 ـ (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ) (البقرة / 183)، أي: كتب اللّه عليكم الصِّيام كما كتب على الّذين من قبلكم وفرضه عليكم كما فرضه على من كان قبلكم.
2 ـ (وَأُولُو الاَرْحَامِ بَعضُهُمْ أَوْلَى بِبعْضٍ في كِتَابِ اللّهِ). (الانفال / 75)
أي: أنّ أُولي الارحام بعضهم أولى ببعض في التوارث في ما كتب اللّه على عباده وحكم.
د ـ مثال واحد من أحكام الاسلام الابدية الّتي جاء ذكرها في القرآن بلفظ (يوصي) قوله تعالى:
(يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الاُنثَيَيْنِ). (النِّساء / 11)
ب ـ تناول الدم ولحم الخنزير وضررهما على نفس الانسان وجسده:
بما أنّ الاطعمة تؤثر في جسد الانسان ونفسه ضرّا ونفعا كما هو مبحوث في محلّه، فقد أحلّ اللّه له ما ينفعه وحرَّم عليه ما يضرّه.
وإنّ تناول الدم ولحم الخنزير وما أُهلّ به لغير اللّه يؤثر في نفسه، فإنّ تناول الاوّل يجعله يتطبّع بطبع الحيوانات المفترسة، وبتناول الثاني تنعدم فيه الغيرة الشريفة، وبتناول الثالث يبتعد عن اللّه نفسيّا.
وبيان ضرر الاوّلين نفسيّا وجسديّا بحاجة إلى تفصيل لايسع المجال لشرحه، وإنّما نكتفي هنا بالاشارة إلى أنّ التحليل والتحريم على البشر جاء في الشرع الاسلامي وفق حكم ومصالح له، قال اللّه ـ سبحانه ـ:
(يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ...). (المائدة / 4)
وقال تعالى: (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ... قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ).
(الاعراف / 32 ، 33)
وقال: (وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ). (الاعراف / 157)
ج ـ ضرر الزواج بالمحارم بالنسب والرضاع:
من ضرر الزواج بالاُمّ والاُخت وسائر المحارم بالولادة والرضاعة؛ إضواء النسل كما هو ثابت في محلّه، وفي الحديث: ((اغتربوا لاتضووا))(55) وفيها حِكَم أُخرى بيانها بحاجة إلى تفصيل أكثر، لايسعه هذا البحث.
ولتوضيح أنّ الاحكام الاسلامية شرّعت متناسبة مع مقتضيات فطرة الانسان، نضرب مثالا بما في حرمة الزواج بحلية الوليد والرضيع دون الولد المتبنى من سبب طبيعي، بما يأتي:
أ ـ إذا غرسنا نواة الليمون في الارض تنبت شجرة فيها جميع ما في الاصل من مزايا وخواصّ.
ب ـ إذا طعّمنا شجرة النارنج ببرعم من شجرة الليمون فنبت البرعم فصار غصنا وأثمر، يحوي هذا الثمر شيئا من خواصّ النارنج وشيئا من خواص الشجرة الّتي طعّمناها ببرعم الليمون.
ج ـ إذا غرسنا شتلة الليمون إلى جانب شجرة النارنج ونمت الشتلة حتّى صارت شجرة مثمرة والتفّت أغصان بعضها ببعض، لاتأخذ ثمرة الليمون شيئا من خواصّ النارنج ولا العكس.
في الاوّل من الامثلة : (أ) مثال للابن الوليد ـ من أصلابكم ـ .
وفي الثاني: (ب) مثال للابن الرضيع.
وفي الثالث: (ج) مثال للابن المتبنّى.
ويوضِّح هذا المثال، حكمة ما بيّنته السنّة النبويّة من شرط في الرضاع كما جاءت في صحيح مسلم وسنن أبي داود وسنن النِّسائي واللفظ للاوّل، عن مسروق، قال قالت عائشة: دخل عليَّ رسول اللّه (ص) وعندي رجل قاعد، فاشتد ذلك عليه، ورأيت الغضب في وجهه.
قالت: فقلت: يا رسول اللّه (ص)! إنّه أخي من الرضاعة.
قالت: فقال: ((أُنظرن إخوتكن من الرضاعة، فإنّما الرضاعة من المجاعة))(56).
ولفظ الحديث في سنن ابن ماجة، (باب الارضاع بعد فصال):
((أُنظروا من تدخلنّ عليكنّ من الرجال، فإنّ الرضاعة من المجاعة))(57).
وفي آخر رواية الترمذي عن أُمّ سلمة:
((إلاّ ما فتق في الامعاء من الثدي وكان قبل الفطام)).
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح.
والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبيّ (ص) وغيرهم أنّ الرضاعة لا تحرّم إلاّ من كان دون الحولين، وما كان
بعد الحولين الكاملين فإنّه لايحرم شيئا(58).
في سنن أبي داود عن ابن مسعود عن النبيّ (ص) أنّه قال:
((لا رضاع إلاّ ما شدّ العظم وأنبت اللحم وأنشز العظم))(59).
قال النووي في شرحه على صحيح مسلم:
(قوله (ع): (( أُنظرن إخوتكن)) أي: تأملن وتفكّرن ما وقع من ذلك! هل هو رضاع صحيح بشرطه من وقوعه في زمن الرضاعة؟
فإنّما الرضاعة من المجاعة. وهو علّة لوجوب النظر والتأمل.
و(المجاعة) مفعلة من الجوع، يعني أنّ الرضاعة الّتي تثبت بها الحرمة، وتحلّ بها الخلوة، هي حيث يكون الرضيع طفلا يسدّ اللبن
جوعته، ولا يحتاج إلى طعام آخر، والكبير لايسدّ جوعته إلاّ الخبز، فليس كلّ مرتضع لبن أُمّ أخا لولدها)(60).
وفي سنن الترمذي: (((لايحرم من الرضاع إلاّ ما فتق الامعاء))، أي: ما وقع من الصبي موقع الغذاء، بأن يكون في مدّة الرضاع...)(61).
* * *
ما جاء في السنّة النبويّة من شرط انتشار الحرمة في الرضاع أن يكون في سنيّ الرّضاع، وينبت اللحم وينشز العظم دليل لما قلناه من أنّ الاحكام الاسلامية شرّعت وفق فطرة الانسان. فليس في التبنّي من تأثّر في جسم المتبنّي عن والديه كما في الولد الصلبي والرضيع الّذي نبت لحمه ونشز عظمه من الرّضاع.
ومثال آخر لتناسب أحكام الاسلام مع فطرة الانسان تعيين الحولين للرّضاع قال سبحانه: (وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ...). (البقرة / 233)
إنّ هذا النظام في الرضاع يناسب فطرة الانسان في عصر الحجر وهو يسكن الكهوف، وفي عصر الحديد والبخار والكهرباء وهو يسكن ناطحات السحاب، وفي عصر الذرّة وهو يصعد إلى سطح القمر، ويناسبه إذا ولد على سطح الارض ويناسبه إذا ولد في الاقمار الصناعيّة في الفضاء اللامتناهي، في كلّ هذه الاحوال وكلّ هذه الاماكن وكلّ تلكم الازمنة، إنّ النظام المتناسب مع فطرة الانسان الطفل الّذي لم تنبت أسنانه ولم يشتدّ عظمه ولحمه ولم تقو معدته، رضاع حولين كاملين لمن أراد أن يتمّ الرضاعة.