ثالثا ـ تحرير مورد الخلاف

إنّ أُولئكم العلماء في ما صنّفوا في ناسخ القرآن ومنسوخه لهم قولان نخالفهم فيهما:

أوّلا ـ في نسخ التلاوة:

إنّهم يقولون بأنّ اللّه ـ سبحانه ـ كان قد أنزل على خاتم أنبيائه (ص) سورا وآيات قرآنية ثمّ نسخ تلاوتها. وما نسخ تلاوتها صنفان:

أ ـ ما نسخ تلاوته وحكمه: مثل لفظ [عشر رضعات] في حديث أُمّ المؤمنين، فإنّه نسخ لفظه، فلم يكتب في المصحف، ونسخ حكمه، فلم يدون في عداد الاحكام الاسلامية.

ب ـ ما نسخ تلاوته دون حكمه: ويوردون في هذا الصنف أمثال رواية الرجم وسورتي أبي موسى والحفد والخلع ونظائرها.

ثانيا ـ في ما اعتبروها آيات منسوخة في القرآن:

إنّ العلماء يقولون: في القرآن آيات نزلت بأحكام للمسلمين، وبعد أن عمل المسلمون بها، نزلت آيات أُخرى، فنسخت تلك الايات، ويُسمّون الايات الاُولى بالايات المنسوخة والثانية بالايات الناسخة.

وفي العلماء من يقول بجواز نسخ الايات القرآنية بالسنّة، أي بحديث الرسول (ص).

وقد كتب جماهير من العلماء في بيان هذين النوعين من النسخ: نسخ التلاوة ونسخ الاية الّتي جاءت بحكم عمل بها المسلمون ثمّ نسخت بأُخرى أو بسنّة الرسول (ص). وأفرد التصنيف فيها جمّ غفير.

وكتب فيهما أو في أحدهما بعضهم بحوثا مستقلة ضافية ضمن مؤلفاتهم.

ونحن نرى: أنّ اللّه لم ينزل على نبيّه سورا وآيات قرآنية ثمّ نسخ تلاوتها بتاتا، سواء ما قيل عنه بمنسوخ الحكم والتلاوة معا أو ما قيل عنه منسوخ التلاوة دون الحكم. كما سنبيِّنه في ما يأتي بإذنه تعالى.

أمّا نسخ الحكم المذكور في القرآن، فنرى فيه أنّ اللّه سبحانه كان ينزل على رسوله حكما مؤقتا بوحي غير قرآني يعمل به المسلمون.

وبعد انتهاء أمده، كان ينسخه اللّه ـ أيضا ـ بوحي غير قرآني، أي: يعلمهم انتهاء أمد الحكم ثمّ ينزل اللّه وحيا قرآنيا يقصُّ فيه خبر الحكم ونسخه، ومن الجائز أن نقول في مورد واحد أو أكثر أنّ الحكم المؤقت بعد أن نزل بوحي غير قرآني وعمل به المسلمون، نزل في الذكر الحكيم بيان أنّ ذلك الحكم الموقت قد نسخ.

وبناء على هذا، فليس في القرآن آية واحدة منسوخة.