مرّ بنا في بحث المصطلحات ما موجزه:
النسخ في اللّغة: إزالة شيء بشيء يتعقبه، يقال: نسختِ الشمس الظلّ.
وفي المصطلح الاسلامي: نسخ أحكامٍ في شريعة بأحكامٍ في شريعة أُخرى، مثل نسخ بعض أحكام الشرائع السابقة بأحكامٍ في شريعة خاتم الانبياء (ص).
وكذلك نسخ حكمٍ مؤقتٍ بحكمٍ أبديٍ في شريعة خاتم الانبياء (ص)، مثل نسخ حكم توارث المتآخيين من المهاجرين والانصار في المدينة قبل فتح مكّة بحكم توارث ذوي الارحام بعد فتح مكّة(51).
وقد صنّف أتباع مدرسة الخلفاء النسخ إلى ثلاثة أصناف:
أ ـ نسخ التلاوة والحكم: ويقصدون منه أنّ اللّه ـ سبحانه ـ كان قد أنزل من القرآن آيا أو سورا على رسوله (ص) ثمّ نسخ تلاوة ذلك القرآن، فلم يكتب في المصحف المتداول بين المسلمين ونسخ حكمه من شريعة الاسلام.
ب ـ نسخ التلاوة دون الحكم: ويقصدون منه أنّ اللّه ـ سبحانه ـ كان قد أنزل من القرآن آيا أو سورا على رسوله (ص) ثمّ نسخ تلاوتها، فلم يكتب في المصحف المتداول بين المسلمين، وأبقى حكمه في شريعة الاسلام.
ج ـ نسخ الحكم دون التلاوة: ويقصدون منه أنّ اللّه ـ سبحانه ـ أنزل من القرآن آيا عمل بها المسلمون ثمّ نسخ تلك الايات بآيات أُخرى، وبقيت الايات المسماة منسوخة مكتوبة في المصحف ونسخ حكمها.
وقد قال كلّ من الزركشي في كتابه: البرهان في علوم القرآن، والسيوطي في الاتقان في علوم القرآن: (النسخ في القرآن على ثلاثة أضرب).
وقال الزركشي: (الاوّل ـ ما نسخ تلاوته وبقي حكمه)، وضرب له مثلا آية [الشيخ والشيخة إذا زنيا...].
وقال السيوطي: (وأمثلة هذا الضرب كثيرة) ثمّ أورد ما ذكرناه تحت عنوان: نقصان سور وآيات في أوّل الباب مع غيرها.
قال الزركشي: (الثاني ـ ما نسخ حكمه وبقي تلاوته) وقال: (وهو في ثلاث وستِّين سورة).
أمّا السيوطي، فقد اختار عشرين موردا منها، ونظم فيها وقال:
قد أكثر الناس في المنسوخ من عدد
وأدخلوا فيه آيا ليس ينحصر
وهاك تحرير آي لامزيد لها
عشرين حرّرها الحذّاق والكُبر
ثمّ عدّدها في بقية نظمه(52).
قال الزركشي:
(الثالث ـ نسخها جميعا فلا تجوز قراءته ولا العمل به، كآية التحريم بـ[عشر رضعات]، فنسخن بـ [خمس]، قالت عائشة: كان ممّا أُنزل: [عشر رضعات معلومات] فنسخن بـ [خمس معلومات] فتوفي رسول اللّه (ص) وهي ممّا يقرأ من القرآن)، رواه مسلم.
وقال السيوطي: (ما نسخ تلاوته وحكمه معا، قالت عائشة: كان في ما أُنزل... رواه الشيخان)(53).
وقد ألّف العلماء في بيان أنواع النسخ مؤلّفات كثيرة لايتيسّر إحصاؤها، كما نشير إليها في ما يأتي:
ثانيا ـ المؤلّفات في النسخ
قال السيوطي في الاتقان: (النوع السابع والاربعون في ناسخه ومنسوخه. أفرده بالتصنيف خلائق لايحصون)، ثمّ ذكر أسماء بعض المؤلّفين في الناسخ والمنسوخ في القرآن وأسماء السور الّتي فيها ناسخ ومنسوخ على حدّ زعمهم.
وذكر في مادّة (ناسخ القرآن ومنسوخه) أسماء من صنّف فيه، كلّ من حاجي خليفة في كشف الظنون ص 1920 ـ 1921.
والبغدادي في ذيله ص 614 ـ 615.