الحقيقة الناصعة والقول الفيصل:
لقد مرّت بنا أُمور هائلة وخطيرة في ما قالوه في شأن جمع القرآن واختلاف مصاحف الصحابة والتابعين وإسقاطهم سورا وآيات فيها، وزيادات سور وآيات أُخرى فيها، وأقوالهم في آيات ناسخة ومنسوخة في الحكم أو التلاوة أو الحكم والتلاوة معا.
واختلافهم في قراءات كثيرة متضادّة، ملاوا فيها بطون موسوعات الحديث على اختلاف أنواعها، من صحاح وسنن ومسانيد ومصنفات وزوائد ومستدركات وموسوعات علوم القرآن من تفاسير وكتب الناسخ والمنسوخ والقراءات، ممّا يخيّل لقارئ تلك الكتب بادئ ذي بدء، أنّ الاختلاف في أمر القرآن أكثر ممّا في الاناجيل.
ولكنّه إذا رجع إلى القرآن الكريم الّذي بأيدي عامّة الناس وحده والّذي ورثه جيل من الناس عن جيل حتّى انتهوا إلى الجيل الّذي أخذه من فم رسول اللّه (ص) وسجّله في عصره وبأمره ، لم يجد في هذا القرآن عيبا ولا أثرا من شيء ممّا ذكروه وسطروه.
وإذا وقف الانسان السويّ على هذا المعين، ثمّ أعاد النظر إلى كلّ تلكم الروايات مسندها ومرسلها وكل تلك العلوم قديمها وجديدها وجدها كلّها وجميعها: (كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاء حَتَّى إِذَا جَاءهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئا). (النّور / 39)
وإذا أعاد النظر إلى هذا القرآن الّذي بأيدي عامّة الناس أيقن أنّه: (ذلِكَ الكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ). (البقرة / 2)
وأيقن: (وَإِنَّه لَكِتَابٌ عَزِيزٌ * لاَ يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ). (فصّلت / 41 ، 42)
وآمن بقوله تعالى: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ). (الحجر / 9)
وأدرك أنّ الّذي يقول لصفيه: (وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الاْ َقَاوِيلِ * لاَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَـمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ * فَمَا مِنكُم مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِرِينَ). (الحاقّة / 44 ـ 47)
هو الّذي منع غيره من أن يمسّ هذا القرآن بتحريف أو زيادة أو نقصان.
وإذا قارن بين هذا القرآن والاناجيل الاربعة وأمعن وتدبر وجد الاختلاف في الاناجيل بعضها مع بعض والتحريف في نسخ التوراة وليس الاختلاف والتحريف في كتب أُخرى، خارجة عنها تحدّثت عن التوراة والانجيل، خلافا لما عليه أمر القرآن الّذي بأيدي الناس والاخبار الّتي تحدّثت عنه فإنّها في كتب أُخرى خارجة عن القرآن والاختلاف والتناقض في تلك الروايات والتقولات، وليس في القرآن نفسه، المتداول بين الناس قرنا بعد قرن وجيلا بعد جيل.
وعند ذاك يدرك الانسان الباحث حقيقة قول الامام الصادق (ع) حيث قال: (اقرأوا ـ القرآن ـ كما يقرأ الناس).
وإذا استرشدنا قول الامام الصادق (ع) ثمّ وجدنا في كتب الحديث والتفاسير ما روي من أن الصحابي سعد بن أبي وقاص كان يقول: ما ننسخ من آية أو تنساها.
أو سمعنا من المذياع القارئ المتنطّع يقرأ:
والضّحى واللّيل إذا سجى...
والضّحَ واللّيل إذا سجَ...
والضّحى واللّيل إذا سجي...
والضّحِ واللّيل إذا سجِ...
والضّحِي واللّيل إذا سجي...
وجوقته المرائية تزعق: اللّه اللّه اللّه تشجيعا له.
ثمّ وجدنا الناس يقرأُون في القرآن الّذي بأيديهم:
(حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاَةِ الْوُسْطَى).
ويقرأون:
(مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنِسهَا...).
ويقرأون:
(وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى...).
قرأناها كما يقرأها الناس، وبذلك يتّحد المسلمون حول القرآن الكريم رايتهم السماويّة وننسى كل ما تَقوَّله المتقوِّلون عليه.
* * *