نتيجة دراسة قراءات ((عليهم)):
أولا ـ إنّ القراءة الثانية (عَلَيْهِمْ) كانت موافقة لخطّ المصحف الّذي بأيدي الناس كلِّ الناس اليوم، وكذلك ورثوه خلفا عن سلف جيلا بعد جيل، ولذلك قرأها الناس كلّ الناس منذ عصر رسول اللّه (ص) حتّى اليوم ما عدا طبقة القرّاء منهم الّذين اختلقوا القراءات، وكذلك أنزلها اللّه ـ جلّ جلاله ـ على رسوله (ص)، وكذلك كتبها جميع من كتبها من المسلمين على العسب واللخاف وغيرهما على عهد رسول اللّه (ص) وبتعليم الرسول (ص) إيّاهم أن يقرأوها كذلك ومن فمه المبارك، وكذلك كتبها المسلمون منذ عصر الرسول (ص) حتّى عصرنا الحاضر، وكذلك كتبها القرّاء أنفسهم في كل العصور، ولم يكتبوا معها ما اختلقوا من قراءات.
أمّا اللّغات التسع الباقية: فمنها ما اختلقها القرّاء بأنفسهم استحسانا منهم لها.
ومنها ما اقتبسوها من تلفّظ بعض القبائل العربية لكلمة (عَلَيْهِمْ) في محاوراتهم الخاصّة بهم.
ثمّ أخضعوا كلام اللّه المجيد لتلفظ تلك القبائل وهكذا اختلقوا تسع قراءات في مقابل النصّ القرآني لم ينزل اللّه بها من سلطان ولم يقرأها الرسول (ص) ولا من كان في عصره سواء الصحابة منهم أم سائر المسلمين.
ثانيا ـ قال في الموفية الثلاثين:
(قرأ عمر بن الخطاب وابن الزُّبير (رض) ((صراط من أنعمت عليهم))) أي: إنّ هذه القراءة رويت عن عمر وابن الزُّبير خاصّة ولم ترد في النصّ القرآني ولم ترد عن رسول اللّه (ص).
ودليلنا على ذلك أنّه قال قبله: إنّ قراءة ملك ومالك رويت (عن النبيّ وأبي بكر وعمر).
وهكذا ذكر اسم النبيّ (ص) في عداد من قرأ (ملك ومالك) بينا نسب قراءة (صراط من أنعمت) إلى عمر وابن الزُّبير، ولم يذكر اسم النبيّ (ص) في عداد من قرأ كذلك.
إذا فإنّ هذه القراءة مقابل النصّ القرآني (صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ) الّذي توارثه المسلمون خلفا عن سلف وجيلا بعد جيل إلى أن ينتهوا إلى الّذين أخذوه من فمّ الرسول (ص)، وكتبوه بأمره، ونحن نعلم أنّ الرسول (ص) أخذ هذه القراءة من اللّه سبحانه حيث قال تعالى: (سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنْسَى).
وبناء على ذلك قالوا: أقرأ اللّه ورسوله (صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ) المسلمين كما هو في النصّ القرآني وقرأ عمر وابن الزُّبير (صراط من أنعمت عليهم)!!!
ولست أدري كيف استساغوا أن يقولوا: قال اللّه ورسوله وقال الصحابة والقرّاء!!!
ولست أدري ممّن أخذ عمر وابن الزُّبير وغيرهما تلك القراءة، لست أدري!!!
وإنّ عملهم في اختلاق القراءة لم يقتصر على ما اختلقوه لكلمة عليهم من قراءة، وإنّما هو دأبهم مع جميع الكلمات القرآنية في اخضاعها لما رووه عن الصحابة من قراءة، أو ما وجدوها في شتى لغات القبائل العربية، أو ما ألفوها من قواعد اللّغة في غير الموزون من الكلام، أو لما استحسنوه من بديل آخر للنصّ القرآني الكريم.
وهكذا اختلقوا ما لانستطيع له عدا من القراءات لكلام اللّه المجيد استنادا إلى اجتهادهم في تبديل كلام اللّه المجيد بغيره.
وكل تبديل لكلام اللّه بغيره تحريف.
وكذلك حرّفوا كلام اللّه بأنواع التحريف:
أ ـ تحريف كلمات كلام اللّه المجيد مثل ما مرّ تبديلهم: (ننسه) بـ(ننساه) و(وَلاَ الضَّالِين) بـ (غير الضالّين).
ب ـ تحريف الحركات الاعرابية والحروف الاعرابية لكلام اللّه مثل ما مرّ تبديلهم: (إِنْ هذَان) بـ (إِنّ هذين).
ج ـ تحريف ضبط الكلمات، مثل ما مرّ تبديلهم: (عَلَيْهِمْ) بـ (عَلَيْهُمْ) و(عَلَيهُمُ).
وهكذا حرّفوا القرآن تحريفا بما لا يتيسر عدّه ومزّقوه تمزيقا لم يجر نظيره على أي نصّ آخر سماويا كان مثل التوراة والانجيل المحرّفين، أو من كلام البشر مثل قصائد شعراء الجاهليين كامرئ القيس أو مخضرمين كأبي طالب وحسان بن ثابت، أو إسلاميين كالمتنبي والحمداني وكذلك في خطب الخطباء وتصانيف المؤلِّفين في أيّ لغة من لغات الانسان.
ثمّ سمّوا كل ذلك التحريف للقرآن بعلم القراءة.
وإليكم وصفا موجزا لكيفية انتشار تلك القراءات والّذي يسمى بعلم القراءات وكيفية ارتحال طلابها من بلد إلى بلد لاقتناء هذا العلم المزيف من شيوخه نصا من كتاب البرهان للزركشي (1 / 324 و325) حيث قال:
(فكان من قدماء علمائنا ممّن حجّ يأخذ بمصر شيئا يسيرا، كأبي عمر الطلَمَنْكي(6) صاحب الروضة، وأبي محمّد مكّي بن أبي طالب(7). ثمّ رحل أبو عمرو الداني(8) لطول إقامته بدانية(9) فأخذ عن أبي خافان، وفارس، وابن غَلْبون؛ وصنف كتاب ((التيسير)). وقرأ على هؤلاء.
ورحَل أيضا أبو القاسم يوسف بن جبارة الاندلسي(10)، فأبعد في الشقَّة، وجَمع بين طريق المشرق والمغرب، وصنف كتاب الكامل، يحتوي على القراءات السبع وغيرها، ولم أرَ ولم أسمع أوسعَ رحلة منه، ولا أكثر شيوخا.
وقد أقرأ القرآن بمكّة أبو معشر الطبري(11)، وأبو عبد اللّه الكارَزيني(12) وكانا متّسِعَي الرواية.
وكان بمصر أبو علي المالكي(13) مؤلّف الروضة، وكان قد قرأ بالعراق، وأقرأ بمصر.
وبعدهم التاج الكندي(14) فأقرأ الناس بروايات كثيرة لم تصل إلى بلادنا.
وكان أيضا ابن مامويه(15) بدمشق يقرئ القرآن بالقراءات العشر.
وبمصر النظام الكوفي(16) يُقرئ بالعشر وبغيرها، كقراءة ابن محيصِن والحسن.
وكان بمكّة أيضا زاهر بن رستم(17) وأبو بكر الزنجاني(18)، وكانا قد أخذا عن أبي الكرم الشَّهرزوري كتاب المصباح الزاهر في القراءات العشر البواهر؛ وأقرأه الزنجاني بعض شيوخنا.
وكان عزّالدين الفاروقي(19) بدمشق، يُقرئ القرآن بروايات كثيرة، حتّى قيل إنّه أقرأ بقراءة أبي حنيفة.
والحاصل اتّساع روايات غير بلادنا، وأنّ الّذي تضمنه التيسير، والتبصرة(20) والكافي(21) وغيرها من تآليفهم؛ انّما هو قُلُّ من كُثْر، ونَزْر من بحر.
وبيانه أن في هذه الكتب مثلا قراءة نافع من رواية ورش وقالون، وقد روى الناس عن نافع غيرهما؛ منهم إسماعيل بن أبي جعفر المدني وأبو خلف وابن حبّان، والاصمعي).
انتهى نقل نصّ كتاب البرهان للزركشي.
دراسة بعض ما جاء في الصفحتين الانفتين:
قال في ص 325: انّ ابن مامويه بدمشق كان يقرئ القرآن بالقراءات العشر، وبمصر النظّام الكوفي يقرئ بالعشر وبغيرها.
وانّ عزّالدين الفاروقي بدمشق كان يقرئ بروايات كثيرة حتى قيل: إنّه أقرأ بقراءة أبي حنيفة.
ومغزى أقواله: أنّ ابن مامويه بدمشق كان يبدل لغة القرآن بعشرة أنواع من لغات غير القرآن، وأن عزّالدين فيها كان يبدل لغة القرآن بلغات كثيرة حتّى لغة أبي حنيفة.
وقال: (والحاصل اتّساع روايات غير بلادنا).
ثمّ وصف مؤلّفات شيوخ بلاده في القراءة وقال: (هو قُلُّ من كُثْر، ونزر من بحر) مع أنّه ذكر قبله في ص324 ان أبا القاسم الاندلسي أبعد في الشقّة وجمع بين طرق المشرق والمغرب، وذكر في الهامش ان أبا القاسم هذا قال: (لقيت في هذا العلم ثلاثمائة وخمسة وستِّين شيخا من آخر المغرب إلى فرغانة يمينا وشمالا وجبلا وبحرا، ولو علمت أحدا تقدّم عليّ في هذه الطبقة في جميع بلاد الاسلام لقصدته) وان فرغانة في آخر بلاد الشرق.
أي أنّ هذا القارئ سافر برّا وبحرا وسهلا وجبلا في كل بلاد الاسلام من أقصى المغرب إلى أقصى المشرق.
وكان في بلنسية من الاندلس ملك يستجلب القرّاء، وينفق عليهم الاموال، وذلك مثال على اهتمام المسلمين بأمر القراءات المختلفة في سائر البلاد الاسلامية يومذاك!!!