ب ـ اجتهادات الصحابة في تبديل النصّ القرآني ليوافق المألوف من لغتهم:

رووا أنّه اجتهد كلّ من أُمّ المؤمنين عائشة والخليفة عثمان، فقالا في (إِنْ هذانِ لَسَحِرَانِ): (إنّ هذين لساحران)، وتبعهم على ذلك الحسن وسعيد بن جبير وإبراهيم النخعي وغيرهم من التابعين، ومن القرّاء عيسى بن عمرو وعاصم وغيرهما من العلماء.

ورووا أنّ أبان بن عثمان قال: قرأت هذه الاية عند أبي عثمان بن عفان، فقال لحن وخطأ.

فقال قائل: ألا تغيّروه؟

فقال عثمان: دعوه، فإنّه لايحرّم حلالا ولا يحلّل حراما(15).

وقال القرطبي: (وهذه القراءة موافقة للاعراب مخالفة للمصحف). وروى عن ابن مسعود قراءتين:

أ ـ (إنْ هذان إلاّ ساحران).

ب ـ (إنّ هذان ساحران)!!

وروى عن الصحابي أُبيّ: (إنّ ذان إلاّ ساحران).

وعن جماعة من العلماء والقرّاء: (إنّ هذان لساحران).

وقال: وهذه القراءة سلمت من مخالفة المصحف ومن فساد الاعراب، ويكون معناها: ما هذان إلاّ ساحران.

قال المؤلّف: وحاول بعض العلماء أن يجد مسوِّغا لمخالفة هذه الاية كلام العرب، فوجد ضالته المنشودة في لغة بني الحرث بن كعب وزبيد وخثعم، فاطمأنوا لما وجدوا في كلام القبائل العربية ما يقيسون عليه كلام اللّه جلّ اسمه(16).

ونجد نظير هذه المحاولات كثيرا في كتب التفسير والقراءات، وسوف ندرسها بعد دراسة الحكمة في الالتزام بقواعد اللّغة العربية إذ لايصح في الكلام غير الموزون مخالفتها، أمّا الكلام الموزون فله قواعد خاصّة به نذكرها في ما يأتي إن شاء اللّه تعالى.

ثالثا ـ أثر روايات مختلقة في جواز تبديل النصّ القرآني بغيره

من أهمّ العوامل في اختلاق القراءات المختلفة ما رووا في روايات متواترة موصوفة بالصحّة انّ الرسول (ص) أقرأ السورة الواحدة لاصحابه بألفاظ مختلفة، فتمارى كل منهم في قراءة الاخر، وقال الرسول (ص) في جواب اعتراضهم إنّ القرآن نزل على سبعة أحرف نحو قولك: تعال وأقبل وهلمّ واذهب وأسرع وعجّل فاقرأوا ولا حرج: عليما حكيما، أو غفورا رحيما، ولكن لاتختموا ذكر رحمة بعذاب، ولا ذكر عذاب برحمة.

* * *

إنّ تلكم الروايات إِضافة إلى ما روي عن الصحابة من اجتهادات في تبديل النصّ القرآني شجعت جماعات من العلماء أن يعتمدوا المجموعتين من الروايات، ويقوموا بتأسيس علم القراءات كما سنبيِّنه في ما يأتي إن شاء اللّه تعالى.


15 تفسير القرطبي 11 / 216.

16 رجعنا في جميع ما ذكرناه إلى تفسير القرطبي 11 / 216.