أوّلا ـ ما روي عن الصحابة في تفسير القرآن وظُنَّ أنّها قراءة أُخرى للنصّ القرآني

مرّ بنا في بحث اختلاف المصاحف أنّ كلاّ ً من أُمّ المؤمنين عائشة وأُمّ المؤمنين حفصة أمرتا الكاتب الّذي كتب لهما المصحف إذا بلغ في كتابته قوله تعالى: (وَالصَّلاَةِ الْوُسْطَى) يؤذنهما فلمّا بلغها وآذنهما أمرتاه أن يكتب بعدها (وصلاة العصر) انّهما لم تقصدا من ذلك أنّ وصلاة العصر جزء من الاية وإنّما أرادتا وصلاة العصر تفسير (للصلاة الوسطى)، ومن هذا القبيل ما جاء:

أ ـ في تفسير الطبري بسنده عن حبيب بن ثابت قال: أعطاني ابن عباس مصحفا فقال: هذا على قراءة أُبيّ قال: وفيه فما استمتعتم به منهن ـ إلى أجل مسمّى ـ (10).

ب ـ في تفسير السيوطي بسنده عن ابن مسعود قال: كنّا نقرأ على عهد رسول اللّه (ص) (يا أيُّها الرسول بلّغ ما أُنزل إليك من ربِّك ـ إنّ عليّا مولى المؤمنين ـ وان لم تفعل فما بلغت رسالته...)(11).

وكما أنّ أُمّ المؤمنين عائشة وأُمّ المؤمنين حفصة لم تقصدا أنّ وصلاة العصر جزء من الاية وإنّما قصدتا انّها تفسير للصلاة الوسطى كذلك شأن كل ما روي من هذا القبيل.

وأمّا ما روي من تعبير الصحابة في أمثالها أنّهم كانوا يقولون في قراءة (ابن مسعود) أو (أُبيّ بن كعب) أو غيرهما فقد مرّ بنا أنّ (القراءة والاقراء) كان في عصرهم بادئ ذي بدء بمعنى تعليم لفظ القرآن ومعناه، وأخيرا استعمل في عصر الصحابة خاصّة في جزء معناه وهو تعليم المعنى فحسب، إذا يكون معنى قولهم في قراءة فلان أي ما كان يفسِّر الكلمة وهكذا فسّر الكلمة.

ثانيا ـ ما روي من اجتهادات الصحابة في تبديل النصّ القرآني بألفاظ استحسنوها

أ ـ ما روي عن الصحابة في تبديل النصّ القرآني حسب اجتهادهم

قال السيوطي بتفسير: (مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا):

أخرج عبدالرزّاق وسعيد بن منصور وأبو داود في ناسخه وابنه في المصاحف والنِّسائي وابن جرير وابن منذر وابن أبي حاتم والحاكم، وصحّحه عن سعد بن أبي وقّاص، أنّه قرأ: (ما ننسخ من آية أو ننساها)، فقيل: له إنّ سعيد بن المسيب يقرأ: نُنْسِها، فقال سعد: إنّ القرآن لم ينزل على المسيب ولا على آل المسيب، قال اللّه: (سَنقْرِئُكَ فَلاَ تَنْسَى)، (وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ).

وعرفنا من آخر الحديث أنّ منشأ هذا الاجتهاد المنسوب إلى الصحابي في تحريف كلمة (نُنْسِها) إلى (ننساها) مجيء (تنسى) و(نسيت) في مكانين آخرين من القرآن وقياس هذا المورد على ذينك الموردين.

وروى السيوطي ـ أيضا ـ بسنده، أنّ في قراءة أُبيّ: (ما ننسخ من آية أو نُنْسِكَ)، وأنّ في قراءة ابن مسعود: (ما نُنْسِكَ من آية ننسخها)(12).

وروى القرطبي عن ابن عباس أنّه قرأها (أو نُنْسها) بضمّ النون(13).

وروى الطبري عن عبيد بن عمير الليثي أنّه قرأها (أو ننساها)(14).

* * *

وجدنا في المثال السابق كيف رووا اختلاف الصحابة في قراءة الاية اعتمادا على اجتهادهم وليس اعتمادا على ما سمعوه من رسول اللّه (ص)، كما رووا ذلك عن سعد بن أبي وقّاص.


10 بتفسير الاية في تفسير الطبري 5 / 9.

11 بتفسير الاية في الدرّ المنثور للسيوطي 2 / 298.

12 القراءات الثلاث في تفسير الاية بتفسير الدرّ المنثور 1 / 104 ـ 105. وتفسير الطبري 1/ 379. وقراءة سعد خاصّة في المصاحف لابن أبي داود ص 96.

13 بتفسير القرطبي 2 / 68.

14 تفسير الطبري 1 / 380؛ والدرّ المنثور 1 / 105.

وعبيد بن عمير الليثي كان قاصّ أهل مكّة، عدّه ابن الاثير في أُسد الغابة 3 / 545.