عود على بدء:
إنّ شرح صفات الربوبية ترد في القرآن يسيرا موجزا أحيانا، ومفصلا حينا آخر، ونجد أنّ جلّ معارك الانبياء مع أُممهم واحتجاجاتهم كانت حول توحيد الربوبية، وأنّ ربّ الانسان الّذي يشرع له النظام في إدامة حياته هو ربّ جميع الخلق الّذي شرّع نظاما لجميع الخلق. ويحكي مجادلة إبراهيم مع طاغوت عصره نمرود ويقول:
(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللّهُ الْمُلْكَ...).
(البقرة / 258)
إنّ نمرود كان يزعم أنّه الربّ الّذي من حقّه أن يشرع النظام للمجتمع الّذي يحكمه، ومن ضمنهم إبراهيم، ولكنّ إبراهيم (ع) أبى ذلك وقال: إنّ الّذي يُحيي ويميت هو ربّي.
ويلقي نمرود في هذا الاحتجاج شبهة ويقول: أنا أُحيي وأُميت.
ويأمر بإنسان سجين محكوم بالاعدام، فيطلق سراحه، ويسمي هذا بالاحياء.
ويأمر بإنسان طليق لا ذنب له بالقتل فيقتل.
ويردّ عليه إبراهيم أنّ الربّ هو الّذي شرّع النظام الكوني، وجاء بالشّمس من المشرق، فإن كنت ربّا، فأت بالشّمس من المغرب وغيّر هذا النظام، فبهت الّذي كفر!
وحكى عن الفتية المؤمنين من أصحاب الكهف الّذين أبوا قبول ربوبية طاغوت زمانهم وأنّهم:
(إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاواتِ وَالاْ َرْضِ...). (الكهف / 14)
إنّ الربّ الّذي شرع النظام للسماوات والارض هو ربّنا الّذي شرّع لنا نظاما نتبعه.
وحكى عن مُحاجَّة موسى طاغوت عصره، وقال:
(وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهذِهِ الاْ َنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلاَ تُبْصِرُونَ). (الزخرف / 51)
وقال: (فَحَشَر فَنَادَى * فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الاْ َعْلَى). (النازعات / 23، 24)
إنّ فرعون احتجّ على استحقاقه الربوبية ـ معاذ اللّه ـ أنّه يملك مصر وما فيها من أنهار، وهو الّذي يطعم أهل مصر ويؤمن حاجاتهم، وإن كان للمزارع في مصر أرباب يربّونها وللدواجن أرباب يربّونها وللمصانع أرباب يديرونها وكلّ يشرع نظاما لما يربّه، فهو ربّهم الاعلى ـ معاذ اللّه ـ يحقّ له أن يشرع نظاما يدينون به.
وينكر عليه موسى وهارون ـ 8 ـ أن يكون له ذلك، فسأله فرعون وقال:
(قَالَ فَمَن رَبُّكُمَا يَا مُوسَى * قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْء خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى). (طه / 49 ، 50)
قال موسى (ع): ربّنا الّذي أعطى كلّ شيء ما خلق فيه من خواصّ جسميّة ونفسيّة ومواهب وغرائز والّتي منها غريزة قبول هداية اللّه، ثمّ هداه ليديم حياته وفق الّذي قدّر له متناسبا مع فطرته.
وقد أوجز القرآن هنا ذكر استدلال موسى على فرعون في الربوبية، وجاء تفصيل هذا الاستدلال في الايات:
(سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الاْ َعْلَى * الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى * وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى...). (الاعلى / 1 ـ 3)
وفي الموردين اشارة إلى هداية اللّه لجميع الخلق، وقد بيّن اللّه في آيات أُخرى كيفية هدايته للخلق، وذكر أربعة أنواع من الهداية للخلق:
1 ـ الهداية التسخيريّة.
2 ـ الهداية الالهاميّة أو الغريزيّة.
3 ـ الهداية بواسطة الوحي.
4 ـ الهداية التعليميّة.
أ ـ الهداية التسخيريّة
من أنواع الهداية التسخيريّة، ما أخبر اللّه عنه، وقال:
(إِنَّ رَبَّكُمُ اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالاْ َرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي الَّليْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بأَمْرِهِ أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالاْ َمْرُ تَبَارَكَ اللّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ) (الاعراف / 54)
فحوى الاية:
أيُّها النّاس! إنّ ربّكم الّذي يشرع لكم نظام حياتكم هو الّذي خلق السماوات والارض في ستّة مراحل، ثمّ استولى عليها يدبّر أمرها ويربّيها.
يغشي ظلام اللّيل على ضياء النهار، يعقّبه سريعا، والشّمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره، فهو الّذي سخّر القمر ليدور حول الارض والارض حول الشّمس بأمره. هو الّذي خلقها وهو الّذي يربّها ويهديها تسخيريا لتسير وفق أمره، وذلك هدايته لهذا النوع من الخلق.
وقد يعبر عن الهداية التسخيريّة بلفظ: جعل، مثل قوله ـ تعالى ـ:
(هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاء وَالْقَمَرَ نُورا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ...).
(يونس / 5)
وقوله تعالى:
(وَجَعَلَ الَّليْلَ سَكَنا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانا). (الانعام / 96)
وهذا النوع من الهداية تكوينية، وتخصّ الجمادات والنباتات والانسان وجميع أصناف الحيوان في تكوينها.
ب ـ الهداية الالهاميّة
ومن أمثلتها ما أخبر اللّه عنها بقوله تعالى:
(وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ * ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ ربِّكِ ذُلُلا...). (النَّحل / 68 ، 69)
هذا النوع من الهداية يسمّى في عرف الناس بالغريزة وهو يخصّ الحيوانات، فإنّ النّحل بهداية اللّه الغريزية إيّاه يبني خلايا سداسيّة لسكناه ويجرس نور الاشجار للتعسيل.
ج ـ الهداية بواسطة الوحي
قال ـ سبحانه وتعالى ـ:
(إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ... رُسُلا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ). (النِّساء / 163 ـ 165)
(شَرَعَ لَكُم مِنَ الدِّيِن مَا وَصَّى بِهِ نُوحا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيُموا الدِّينَ)(الشورى / 13)
وهذا النوع من الهداية يخصّ الانسان، قال سبحانه:
(فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنيفا فِطْرَةَ اللّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللّهِ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ). (الروم / 30)
شرع له الدين بعد أنّ هيّأه بين جميع الخلق(2)، لتلقي هذا النوع من الهداية بوسيلتين لنقل الافكار: التكلم والكتابة كالاتي بيانه:
أ ـ التكلم، وعبّر عنه القرآن بـ (البيان) في قوله تعالى:
(خَلَقَ الاْ ِ نْسَانَ عَلَّمَهُ البَيَانَ). (الرَّحمن / 3 ، 4)
ب ـ الكتابة: وقال سبحانه:
(اقْرَأْ وَرَبُّكَ الاْ َكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ). (العلق / 3 ، 4)
د ـ الهداية التعليمية للملائكة
كما حكى اللّه سبحانه قول الملائكة له: (سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلا مَا عَلَّمْتَنَا).(البقرة / 32)
وبحثنا هنا يخصّ الهداية بواسطة الوحي، وبناء على ما بيّناه فإنّ الخلق والانشأ وما يتبعها من صفات الاُلوهيّة والهداية وما يتبعها من صفات الربوبية، مثل إرسال الرسل وتشريع الدين وإثابة المطيعين وعقاب العاصين وقبول توبة العاصين وما شابهها إلى الاُمم.
ومن ثمّ يرد في القرآن لفظ: (الاله) مع ذكر أمر الخلق والانشاء، ولفظ (الربّ) مع ذكر التشريع وإرسال الرسل وما يتبعها.
ولمّا كان لفظ (اللّه) اسم للذات المستجمع لجميع الاشياء الحسنى، فإنّ اللّه: هو الربّ وهو الاله وهو الحيّ وهو القيوم و... ومن ثمّ يرد اسم (اللّه) في مكان كلّ اسم من أسمائه الحسنى.
* * *
بعد إيراد المقدّمة الانفة نتقدّم إلى رحاب القرآن الكريم، لندرس فيه حكمة ذكر كلّ اسم من أسماء اللّه في المورد الّذي جاء فيه من أوّل الاية أو السورة أو في آخرهما، ثمّ نرى كيف لايصحّ تبديله باسم آخر من أسماء اللّه في ذلك المورد كما ذكرته الروايات السابقة.
أ ـ سورة الاعلى:
استفتح ـ جلّ اسمه ـ سورة الاعلى بعد البسملة بقوله:
(سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الاْ َعْلَى) ثمّ سلسل ذكر ما يتّصل بصفات الربوبيّة إلى آخر السورة وقال:
(سَنُقْرِئُكَ ـ القرآن ـ فَلاَ تَنسَى... فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى... قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزكَّى وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ ـ صفات الربوبية ـ فَصَلَّى... إِنَّ هذَا ـ البيان ـ لَفِي الصُّحُفِ الاُولَى صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى).
وإنّ صحف الانبياء الاُولى كانت تدعو إلى قبول ربوبيّة الربّ والاهتداء بأوامره كما يدعو إليه القرآن.
هكذا نرى آيات السورة إلى آخرها ذات وحدة منسجمة في معنى الربوبيّة، وذات وزن واحد في اللفظ، ويفسدهما جميعا تبديل آخر الاية الاُولى منها ـمثلاـ بلفظ (سبِّح اسم السميع العليم) أو (ربّك السميع العليم) أو (الغفور الرحيم) بدلا من (اسم ربّك الاعلى).
وكذلك يفسد الوزن والمعنى تبديل (ربّك) في آخر الاية الاخيرة منها بأيّ اسم من أسماء اللّه تقدست أسماؤه.
ب ـ سورة اقرأ:
كذلك شأن أوّل سورة أنزلها اللّه على رسوله (ص) فقد استفتحها بعد البسملة بـ (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ)، ثمّ سلسل ذكر صفات الربوبيّة ببيان تعليمه الانسان وهدايته بوسيلة القلم، وأخبر في آخرها أنّ مرجع الخلق إلى الربّ.
في هذا السورة ـ أيضا ـ يفسد الوزن والمعنى تبديل لفظ الرّبّ في (بِاسْمِ رَبِّكَ) في الاية الاُولى بأيّ اسم آخر من أسماء اللّه الحسنى، وكذلك يفسدهما تبديل لفظ الربّ في الاية الاخيرة: (إِنَّ إلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى) بأيّ اسم آخر من أسماء اللّه ـ تعالى ـ، كما زعمت الرواية جواز ذلك في آخر الايات.
ج ـ سورة الفاتحة:
افتتح سورة فاتحة الكتاب بعد البسملة بـ (الْحَمْدُ للّهِ ِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) ثمّ ذكر من صفات الربوبيّة موجزا: رحمته للعالمين في الدُّنيا بتربيته للعالمين كما مضى شرحها. ومن ضمن العالمين الانسان، وأنّه رحيم بالمؤمنين يوم الدين بما يثيبهم على قبولهم الهداية، وأنّ الربّ هو المالك ليوم الدين.
ثمّ يوجهنا إلى خطاب الربّ، وأن نقول له: إنّا نعبده وحده عبادة طاعة وخضوع، ونستعينه لذلك، ونطلب منه أن يأخذ بأيدينا في السير على طريق الهداية بعد أن هدانا طريق الهداية بمقتضى ربوبيته، ذلك الصراط الّذي أنعم بسلوكه على عباده المخلصين غير صراط اليهود المغضوب عليهم ولا النصارى الضالّين.
إنّ مجموع آيات السورة بيان لصفات ربّ العالمين، كما أنّ أكثر آيات القرآن شرح لهذه السورة.
وفي السورة براعة استهلال(3) لما جاء في كتاب اللّه بعده. وإنّ أكثر آيات السورة ـ كما ترى ـ وحدة منسجمة تبين معنى ربّ العالمين، ويخلّ بالوزن والمعنى أن نغيّر آخر الاية الاُولى، ونقول: (الحمدُ للّه السميع العليم) ـ مثلا ـ أو (الغفور الرحيم) كما زعمت تلكم الروايات.
وإنّ التدبّر في سورة الشعراء يشخّص لنا موارد استعمال الربّ من أسماء اللّه ـسبحانهـ.
وبالتدبّر في مجموع الايات والسور اللاتي جاء فيها لفظ الربّ ندرك أنّ من صفات الربّ في القرآن الكريم:
أ ـ الهداية التسخيريّة للجمادات والنباتات.
ب ـ الهداية الغريزيّة للحيوانات.
ج ـ الهداية التشريعية بوسيلة الوحي إلى الانبياء، ومنهم بالتعليم بوسيلتي البيان والقلم للانسان(4).
د ـ الهداية التعليمية للملائكة.
ومن صفات الربّ إرسال الرسل وإنزال الكتب وتشريع الشرائع وإنشاء الاوامر التكوينيّة والتشريعيّة والنواهي التشريعيّة.
وكلّ ما ذكرناه إلى هنا من صفات الربّ من مصاديق رحمة الربّ للعالمين أجمعين في الدُّنيا، أي: (الرّحمن).
ومن لوازم هذه الصفات إثابة المطيعين وعقاب العاصين في الدُّنيا وفي يوم الدين، وقبول التوبة والمغفرة للتائبين المستغفرين.
وبناء على ما ذكرنا يرد في القرآن من أسمأ اللّه لفظ الربّ خاصّة في كلّ تلك، الموارد سوأ أكان المورد في أوّل السورة والاية أم في آخرها، وسواء جاءت موجزة أم مفصلة، ولا يصحّ تبديل اسم الربّ في تلكم الموارد بأيّ اسم آخر من أسماء اللّه كـ (الاحد الصمد) ـ مثلا ـ أو (الحيّ العزيز)، وسواء أكان في الاية والسورة ذكر رحمة أم عذاب، إلاّ في المورد الّذي تضمن مع ذكر صفة أُخرى من صفات اللّه فيرد اسم تلك الصفة، وقد جاء ذلك نادرا في القرآن ممّا يفهمه الباحث اللبيب بالتدبّر.
* * *
شرحنا معنى (الربّ) من أسماء اللّه بشيء من التفصيل، ليكون مثلا لمعرفة ما في أسماء اللّه من دلالات على صفاته تبارك وتعالى.
وبذلك يتيسر معرفة بطلان محتويات الروايات اللاّتي نسبت إلى رسول اللّه (ص) أنّه قال: يصحّ تبديل أسماء اللّه الواردة في آخر الايات بغيرها ما لم تختم آية رحمة أو آية عذاب بما يناقضها، حاشا رسول اللّه (ص) من هذا القول.
فقد عرفنا أنّه يفسد المعنى تبديل أيّ اسم من أسماء اللّه جاء في مورد ما من القرآن الكريم.
وقد يفسد المعنى والوزن جميعا.
وبملاحظة ما ذكره الباحثون بالكامبيوتر عمّا وجدوا من توازن في ألفاظ القرآن الكريم، نجد الامر في شأن ما جاء من الالفاظ في القرآن الكريم أعظم ممّا ذكرناه بكثير، كما سنشير إلى شيء منه في ما يأتي بإذن اللّه تعالى: