تناسب الايات مع ما يرد من أسماء اللّه فيها

إنّ أُولئكم الرواة رووا ما رووا مع عدم تفقّه لمعاني الالفاظ في اللّغة العربية وعدم تدبّر للقرآن الكريم.

وأمّا ما أشرنا إليه من تناسب أسماء اللّه مع الاية الّتي جاء الاسم في آخرها، فإنّ الامر في تناسب الايات مع اسم اللّه الوارد فيها أعظم ممّا ذكرناه وأجلّ خطرا.

ونقتصر لتوضيح ذلك بإيراد موجز من معاني بعض أسماء اللّه، ثمّ ندرس أمثلة من مواردها في القرآن الكريم في ما يأتي إن شاء اللّه تعالى.

اللّه والاله والربّ

أ ـ الاله:

أله إلهة، أي: عبد عبادة. و(الاله) اسم لكلّ معبود وجمعه: الالهة. وكان المشركون يعتقدون أنّ أصنامهم آلهة تضرّهم وتنفعهم من دون اللّه، ولذلك كانوا يقدمون لها القرابين، ويعبدونها لتقضي حوائجهم. وكذلك شأن من بقي منهم في عصرنا، وقد أخبر اللّه عنهم وقال:

(وَاتَّخَذُواْ مِن دُونِ اللّهِ آلِهَةً لِيَكُونُواْ لَهُمْ عِزّا). (مريم / 81)

وقال: (وَاتَّخَذُواْ مِن دُونِ اللّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنصَرُونَ). (يَّس / 74)

وأخبر عن قوم هود أنّهم قالوا لنبيّهم (ع):

(إِنْ نَقُولُ إِلا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوء). (هود / 54)

ولمّا كان كلُّ ما يعتقدون لالهتهم من التأثير في العالمين هو من أنواع الايجاد والخلق، نفى اللّه أن يكون لالهتهم أيّ أثر في الايجاد

والخلق، أو القدرة على الدفاع عن أنفسها فضلا عن غيرها، وقال ـ سبحانه ـ:

(إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئا لاَ يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ).

(الحجّ / 73).

وحصَرَ الخَلق بذاته جلّ اسمه، وقال:

(وَخَلَقَ كُلَّ شَيْء) (الفرقان / 2)، وراجع الانعام / 101.

وقال: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْء). (الشورى / 11)

وبناء على ذلك فإنّ قولنا: (لاَ إِله إِلا اللّه) يعني: أن لا خالق ولا رازق ولا ضارّ ولا نافع ولا مؤثر في الوجود إلاّ اللّه.

وهذا لايعني ما يقوله أتباع بعض المذاهب، فإنّا نؤمن بأنّ اللّه لو شاء أن يجعل شيئا غيره ضارّا أو نافعا له، فعل، وإن اقتضت حكمته أن يمنح غيره قدرة الخلق بإذنه، فعل، كما أخبر عن ذلك في ما حكاه من قول عيسى بن مريم (ع) لبني إسرائيل:

(أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرا بِإِذْنِ اللّهِ وَأُبْرِئُ الاَكْمَهَ وَالاَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللّهِ وَأُنبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوِتِكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لايَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ). (آل عمران / 49)

وبناء على ما شرحناه فإنّ اللّه أحدٌ في الاُلوهية، وليس واحدامن الالهة، وليس كبير الالهة، ولم يلد الالهة ملائكة وغير ملائكة، وليست الملائكة بناته، بل هو إله أحد، خلق الخلق أجمعين ولم يلدهم، كما ولدت الارض الشّجر، والشّجر الثمر، ولم يولد من شيء كما ولدت الاحياء من الماء، والماء من الاوكسجين والهيدروجين، ولا يتغيّر من حال إلى حال، كما يتغيّر المخلوق بعد الولادة مولودا ووالدا.

إذا فإنّ اللّه هو الاحد، والاحد هو الصمد، والصمد هو الّذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد.

وهكذا نرى الايات بعد الصمد في سورة: (قُلْ هُوَ اللّهُ أَحَدٌ) تفسر (الصمد) و(الصمد) وما بعده تفسر (الاحد) و(الاحد) وما بعده من صفات اللّه(1).

والسورة بمجموع آياتها وكلماتها وحدة منسجمة في المعنى، ولا يصحّ تبديل كلمة منها بكلمة أُخرى، اسما كان للّه أو شرح اسم.

فلا يصحّ تبديل (قل هو اللّه أحد) بـ (قل هو السميع الاحد) ولا بـ (قل اللّه السميع) ولا تبديل (اللّه الصمد) بـ (السميع الصمد) أو (اللّه السميع) مع أنّنا لم نختم فيها آية رحمة بعذاب أو آية عذاب برحمة، كما أجازت ذلك الروايات الماضية.

وكان ذلك بسبب انسجام معنى الايات في السورة، وإضافةً إلى ذلك فإنّ لكلّ سورة صغيرة في القرآن أو لكلّ مجموعة آيات نزلت مرّة واحدة وزنا خاصَّا بها لم يكتشف حتّى اليوم، ينتبه إليها اللبيب مع قراءتها بتدبّر في ذلك كما أنّ لكلّ نوع من الشعر وزنا خاصّا به لم يكن معروفا قبل أن يكتشف الخليل ابن أحمد (ت: 170ه) أوزان الشعر، ويقيسها بالتفعيلات الّتي وضعها لمعرفة أوزان الشعر.

وفي هذه السورة يختلّ الوزن إذا بدّلنا في الاية الاُولى: الـ (أَحَد) بأيّ اسم من أسماء اللّه، مثل: (الغفور) أو (الرّحيم) أو (القهّار) ونقول ـ مثلا ـ: (قل هو اللّه الغفور اللّه الصمد...).

هكذا يختلّ المعنى والوزن في السورة بتبديل أية كلمة منها بأُخرى، ويفهم الاوّل كلّ عربي اللسان، والثاني يفهمه كلّ إنسان لبيب عربيّا كان أم أعجميا.

ب ـ الربّ

الربّ بمعنى التربية وهو إنشاء الشيء حالا فحالا حتّى يبلغ درجة الكمال.

وربّ الولد وربّاه، فهو رابّ، والولد مربوب وربيب.

وربّ الضيعة: أصلحها وأتمها.

ويستعمل الربّ بمعنى الرابّ ويقصد به مالك الشيء ومدبّره وفي مثل هذه الحالة يضاف الربّ إلى المربوب ويقال:

ربّ الضيعة والفرس. ولا يقال الربّ مطلقا إلاّ للّه تعالى المتكفّل لتربية جميع الخلق، نحو قوله تعالى:

(بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبُّ غَفُورٌ). (سبأ / 15)

وبالاضافة، يقال له ولغيره: مثل ربّ العالمين، وربّ الدار وربّ الفرس.

وعلى ما سبق، فالربّ بمعنى المالك والمدبّر للشيء، وقد يستعمل الربّ في أحد المعنيين: المالك أو المربّي، أي في جزء من معناه. وهذا الاستعمال شائع في لغة العرب.

قال الراغب في مادّة (القءر): إنّ كلّ اسم موضوع لمعنيين معا يطلق على كلّ واحد منهما إذا انفرد، كالمائدة للخوان وللطعام، ثمّ قد يسمّى كلّ واحد منهما بانفراده به.


1 تفسير السورة في البرهان في تفسير القرآن 4 / 525.