المجموعة الثالثة: عليما حكيما، غفورا، رحيما

نترك الحديث حول هذه المجموعة لوضوح الفرق في معانيها.

* * *

بعد ذكرنا بعض الفروق في معاني هذه الكلمات، نرجع إلى القرآن الكريم لندرس بعض ما جاء منها في ضوء الروايات الانفة إن شاء اللّه تعالى:

المجموعة الاُولى: أقبل وتعال وحيّهلا وهلمّ

أ ـ أقبل:

جاء (أقبل) في قوله تعالى:

(وَأَنْ أَلقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانُّ وَلَّى مُدْبِرا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلاَ تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الاْ َّمِنِينَ). (القصص / 31)

تصرح الاية بأنّ نبيّ اللّه موسى (ع) أدبر عن عصاه الّتي انقلبت إلى حيّة تتحرك فناداه ربّه وقال له: أقبل إليها ولا تخف.

ويقال في اللّغة العربية: أقبل إلى الشيء لمن أدبر عنه. وقد جوّزت لنا الروايات الانفة الذكر أن نحرف الاية ونقول: فلمّا رآها تهتزّ كأنّها جانّ ولّى مدبرا، ولم يعقب يا موسى تعال!! أو يا موسى هلمّ!!

ولا يقول ذلك إلاّ من كان هازئا أو جاهلا باللّغة.

وحاشا رسول اللّه (ص) من أن يقول ما رووا عنه.

ب ـ تعال:

جاء (تعال) في عدّة آيات من القرآن الكريم، منها قوله تعالى:

(إِن كُنتَنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحا جَمِيلا * وإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الاْ َّخِرَةَ فَإِنَّ اللّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْرا عَظِيما). (الاحزاب / 28 ، 29)

تصرح الاية بأنّ اللّه أمر نبيّه أن يدعو زوجاته إلى القيام بالتفكير والتدبّر في اختيار أحد أمرين يخترن أحدهما:

إن كنّ يردن سعة العيش في الدُّنيا، فإنّ النبيّ يعطيهنّ متعة الطلاق، ثمّ يسرحهنّ، أي: يطلقهنّ.

وإن أردن طاعة اللّه ورسوله (ص) والصبر على ضيق العيش في الدُّنيا، والجنّة في الاخرة، فإنّ اللّه أعدّ للمحسنات منهنّ أجرا عظيما.

إذا فإنّ اللّه ورسوله (ص) قد دعوا أُمّهات المؤمنين بعد (تعالين) إلى التفكّر والتدبّر في أحد الامرين.

وهذا هو الصواب في التعبير في مثل هذا المقام، بينما جوّزت الرواية تحريف الاية الكريمة، وأن يقال: بدل (تعالين) ـ مثلا ـ (حيهلا)، ولم يدرك الراوي أنّ المقام ليس مقام ترحيب كي يقال لهن: حيّهلا، ولا مقام دعوة إلى الانضمام إلى رسول اللّه للقيام بعمل، كي يقال لهن (هلممن) أو (أسرعن) أو (عجّلن) أو غيرها من الالفاظ.

ج ـ حيهلا:

لم يرد (حيهلا) في القرآن لندرسَهُ على حدة.

د ـ هلمّ:

جاء هلمّ في قوله تعالى:

(قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللّهَ حَرَّمَ هذَا). (الانعام / 150)

معنى الاية: هاتوا شهداءكم الّذين ينضمون في هذا الرأي إليكم ويشهدون بأنّ اللّه حرّم هذا.

وجوّز الراوون أن نُحرّف الاية، ونقول: قل حيهلا شهداءكم الّذين يشهدون...، أو نقول: أقبلوا شهداءكم الّذين

يشهدون...، أو نقول: تعالوا شهداءكم الّذين...

وحاشا رسول اللّه (ص) أن يكون قد حدّث بما رووا.

المجموعة الثانية: اذهب وأسرع وعجّل

وقال الراوون ـ أيضا ـ :

لكَ أن تُحرّف الايات الّتي جاء فيها: اذهب وأسرع وعجّل. وتأتي ببعضها بدلا من الاخر.

وفي ضوء ما رووا نرجع إلى القرآن الكريم وندرس موارد استعمال كلّ منها:

أ ـ اذهب:

جاء (اذهب) في قوله تعالى للشيطان:

(قَالَ اذْهَبْ فَمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاء مَوْفُورا).

(الاسراء / 63)

يفهم العربي من لفظ (اذهب): الابعاد والطرد، كأنّ اللّه ـ سبحانه ـ قال للشيطان: ابعد عن التقرّب إليَّ.

ولو حرّفنا الاية كما جوّزه الرواة، وقلنا: (عجّل فَمن تبعك منهم...)، أو (أسرع فمن تبعك منهم...)، ماذا كان يعني الكلام؟!

ب و ج ـ أسرع وعجّل:

إنّ معرفة الفرق في صيغة الامر: أسرع وعجّل دقيق وبحاجة إلى تدبّر الخبير في فقه اللّغة العربية. ونحن نذكر هنا غير صيغة الامر منهما، ليتّضح الفرق بينهما لعامّة الناس. وقد جاء من الاوّل قوله تعالى:

(أَلاَ لَهُ الحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ). (الانعام / 62)

وجاء من الثاني، حكاية قول موسى لقومه حين عبدوا العجل:

(وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مَن بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ...). (الاعراف / 150)

وإنّ كلّ عربي اللسان يدرك عدم صحّة تبديل (أسرع الحاسبين) بـ (أعجل الحاسبين)، وتبديل (أعجلتم أمر ربّكم) بـ (أسرعتم أمر ربّكم).

المجموعة الثالثة: عزيزا حكيما، غفورا رحيما، سميعا عليما:

روى رواة تلك الاحاديث أنّ اللّه ورسوله (ص) قد أذنا للنّاس كلّ الناس ـمعاذ اللّهـ أن يُحرّفوا أواخر آيات القرآن الكريم في تبديل أسماء اللّه الّتي تختم بها الايات، على أن لايتبدّل بالتحريف آية رحمة بآية عذاب، وآية عذاب بآية رحمة، وضربوا مثلا لذلك بجواز تبديل: (سميعا عليما) بـ (عزيزا حكيما) أو (غفورا رحيما)، ولا حاجة في هذا المقام للاستدلال على ما بين معاني أسماء اللّه هذه من الفروق، لوضوحها.

ونقتصر على الرجوع إلى القرآن الكريم ودراسة موارد استعمال هذه الاسماء، لنرى كيف تكون نتيجة هذا التقوّل في الايات الاتية:

أ ـ أخبر اللّه ـ سبحانه ـ عن إبراهيم وإسماعيل 8 في سورة البقرة وقال:

(وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمِيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ * رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ). (البقرة / 127 ـ 129) وأخبر اللّه ـ سبحانه ـ عن قوم موسى بعد عبادة بني إسرائيل العجل، وقال:

(قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلاِ َخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ * إِنَّ الَّذِيِن اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِن رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَذلِكَ نَجْزِي المُفْتَرِينَ * وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُوا مِن بَعْدِهَا وآمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مَن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ). (الاعراف / 151 ـ 153)

في خبر إبراهيم وإسماعيل 8 أخبر ـ سبحانه ـ في الاية الاُولى أنّهما كانا يرفعان القواعد من البيت ويدعوان ربّهما ويقولان:

إنّكَ سميعٌ عليمٌ، فهو يسمع دعاءهما ويعلم عملهما.

وفي الاية الثانية: أنّهما دعوا أن يتوب عليهم فهو التوّاب الرّحيم.

وفي الاية الثالثة: أنّهما دعوا أن يبعث لاهل مكّة رسولا يعلّمهم الكتاب والحكمة وهو العزيز ـ الغالب الّذي لايقهره شيء ـالحكيم في فعله.

وفي خبر موسى وهارون 8 وقومهما، أخبر ـ سبحانه ـ أنّه طلب المغفرة والرّحمة له ولاخيه، وأخبر أنّ الّذين عملوا السيِّئات وتابوا، أنّ اللّه بعد ذلك غفور رحيم.

والرّحمة جاءت في الايتين بعد ذكر التوبة والمغفرة، لانّ الرّحمة تكون بعد التوبة والمغفرة.

يا ترى لو عملنا بتلكم الروايات، وحرفنا الايات، وقلنا في الاية الاُولى بدل (السميع العليم) (ربّنا تقبّل منا إنّك أنت التوّاب الرحيم) أو (إنّك أنت العزيز الحكيم)، وقلنا في الاية الثانية: بدل (التوّاب الرحيم) (وتُب علينا إنّك أنت العزيز الحكيم)، وقلنا في الاية الاخيرة بدل (غفور رحيم) (ثمّ تابوا من بعدها إنّ ربّك من بعدها لسميع عليم)، أو (عزيز حكيم).

كم كان الكلام مجانبا للبلاغة وهذرا من القول تعالى اللّه عمّا قاله هؤلاء الرواة وتقدّست أسماؤه(50).

وإنّ أقوال هؤلاء الرواة بعينها قالها عبداللّه بن سعد بن أبي سرح الاموي. وكان خبره وخبر قوله كالاتي:

عبداللّه بن سعد بن أبي سرح بن الحارث القرشي العامري أخو عثمان من الرضاعة. ارضعت أُمّه عثمان.

أسلم قبل الفتح، وهاجر إلى المدينة، وكتب الوحي لرسول اللّه (ص) ثمّ ارتدّ مشركا، وصار إلى قريش بمكّة، فقال لهم: إنِّي كنت أصرف محمّدا حيث أُريد. كان يُملي عليَّ: (عزيز حكيم)، فأقول: (عليمٌ حكيم)؟ فيقول: نعم، كلّ صواب، فأنزل اللّه تعالى فيه:

(وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِبا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِليْهِ شَيْء وَمَن قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلُ مَا أَنْزَلَ اللّهُ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ المَوتِ وَالْمَلاَئِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ).

(الانعام / 93)

فلمّا كان يوم الفتح أهدر رسول اللّه (ص) دمه، وأمر بقتله ولو وجد متعلقا بأستار الكعبة، ففرّ عبداللّه إلى عثمان، فغيَّبه حتّى أتى به إلى رسول اللّه (ص) فاستأمنه له، فصمت رسول اللّه (ص) طويلا، ثمّ قال: نعم.

فلمّا انصرف عثمان قال لمن حوله: ما صمتّ إلاّ ليقوم إليه بعضكم فيضرب عنقه.

فقالوا: هلا أومأتَ إلينا، فقال: إنّ النبيّ لاينبغي أن يكون له خائنة الاعين... الخبر(51).

إنّ عبداللّه بن سعد روى عن رسول اللّه (ص) في حال ارتداده عين ما رواه هؤلاء الرواة عنه، فأمر الرسول (ص) بقتله، ولو كان متعلقا بأستار الكعبة.

ترى ماذا كان يحكم الرسول (ص) على هؤلاء الرواة لو رآهم يروون عنه عين ما رواه عبداللّه بن سعد؟

وإذا كان الرسول (ص) لم يرهم في هذه الدُّنيا، فإنّه يراهم في الاخرة ويرونه(ص) والحكم يومئذ اللّه!


50 ويحكى عن الاصمعي قال: كنت أقرأ: (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من اللّه واللّه غفور رحيم) وكان بجنبي اعرابي فقال: كلام من هذا؟ فقلت: كلام اللّه، فقال: أعد، فأعدت، فقال: ليس هذا كلام اللّه! فانتبهت فقرأت: ((واللّه عزيز حكيم)) فقال: أصبت هذا كلام اللّه! فقلت: أتقرأ القرآن؟ قال لا. فقلت: فمن أين علمت؟ فقال: يا هذا! عزَّ فحكم بقطع، ولو غفر ورحم لما قطع! تحفة الاحباب للمحدث القمّي ص 202.

51 الاستيعاب 1 / 381 ـ 382؛ والاصابة 2 / 309 ـ 310 و 1 / 11 ـ 12؛ وأُسد الغابة 3/ 173 ـ 174؛ وأنساب الاشراف 5 / 49؛ والمستدرك 2 / 45 ـ 46. والمفسِّرون كالطبري والقرطبي وغيرهما، في تفسيرهم الاية: 93 من سورة الانعام؛ وابن أبي الحديد 1/ 68.