كان ما ذكرناه شأن الالفاظ الّتي قيل: إنّها مترادفة في لغة العرب.
أمّا ما نسبوا إلى رسول اللّه (ص) أنّه ذكر: هلمّ وتعال وأقبل وغيرها كأمثلة للمترادف في لغة العرب، وحاشا رسول اللّه (ص) أن يكون قد قاله، فنقول: إنّها تنقسم على المجموعات الثلاث التالية:
أ ـ أقبل وتعال وحيهلا وهلمّ.
ب ـ اذهب وأسرع وعجّل.
ج ـ عليما حكيما، غفورا رحيما.
زعم الراوون للروايات السابقة أنّ أفصح من نطق بالضاد رسول ربّ العالمين (ص) قال عن المجموعتين الاوّليين: بأيّ هذه الالفاظ قرأت القرآن، أصبت.
وحاشا رسول اللّه (ص) من هذا القول ، لانّ الخبير باللّغة العربية يدرك من موارد استعمال تلك الالفاظ في الكلام العربي الفصيح أنّ لكلّ لفظ منها معنىً يختلف عن معاني مثيلاته الاُخر، ولا يصحّ استعمال غيره مكانه.
فإنّ من المجموعة الاُولى منها: أقبل، تعال، حيهلا، هلمّ
أ ـ أَقْبِلْ: فعل الامر من باب الافعال.
الاقبال: الاتيان من قِبَل الوجه، نقيض الادبار، مثل أقبل إليه راكبا. ويستعمل في:
1 ـ الاُمور المعنوية بمعنى توجه النفس إلى الشيء في العمل مثل: أقبل على تعلّم العلم.
2 ـ في الاُمور المادّية: مثل أقبل بوجهه إلى من كان جالسا عن يمينه وأدبر عمّن كان جالسا عن شماله.
ب ـ تعال:
دعوة للمخاطب أن يفكّر ويهيّئ نفسه للقيام بعمل يذكر بعد لفظ (تعال)، ويكون العمل في الاغلب من صنف أعمال النفس، ويلازمه القيام بأعمال جسدية، مثل قوله تعالى:
(تَعَالَواْ نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ...). (آل عمران / 61)
(وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللّهِ لَوَّوْا رُؤُوسَهُمْ...).
(المنافقون / 5)
(إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ). (الاحزاب / 28)
ج ـ حيهل وحيهلا:
إنّ هذه الكلمة مركّبة في الاصل من كلمة: (حيّ) أي: أقبل، مثل: (حيّ على الصلاة) و(هلا) أي: أسرع واستعجل.
ويقال حيهل إلى الطعام، أي: أسرع إلى أكله.
ويقال ـ مثلا ـ إذا ذكر الصالحون: حيّهلا لسلمان المحمّدي، أي: عليك به، أو ابدأ به أو بذكره.
وفي هذه الكلمة المركّبة كما شاهدنا دعوة إلى عمل أو إلى شخص مع الترحيب بالمدعو أو المدعو إليه.
كما جاء بهذا المعنى في الكتاب الاتي من أهل الكوفة إلى السبط الشهيد بعد موت معاوية:
(إلى الحسين بن عليّ من شيعته المؤمنين والمسلمين
أمّا بعد، فحي هلا، فإنّ الناس ينتظرونك ولا رأي لهم في غيرك فالعجل العجل والسلام عليك)(48).
د ـ هلمّ:
اسم فعل يستعمل في الدعوة للاشتراك في القيام بعمل يهتمّ به الداعي إليه.
وفيه معنى: ضُمّ نفسك إلينا في هذا العمل.
كما جاء في قول الخليفة عمر لابن عباس عندما أخبره عن سبب عدم توليته امارة البلاد قال له عمر:
(إنِّي خشيت أن يأتي علي الّذي هو آت وأنت في عملك، فتقول هلمّ إلينا ولا هلمّ إليك دون غيركم)(49).