أراد بالحرف: اللّغة، يعني سبع لغات من لغات العرب، أي أنّها متفرقة في القرآن، فبعضه بلغة قريش، وبعضه بلغة هذيل، وبعضه
بلغة هوازن، وبعضه بلغة اليمن.
إنِّي قد سمعت القرَّاء فوجدتهم متقاربين، فاقرأوا كما علمتم، إنّما هو كقول أحدكم: هلمّ وتعال وأقبل(37).
الاحرف السبعة: هي اللّغات السبع، وخمس منها: لهوازن واثنتان لسائر العرب.
وقال الاخر: أربع لعجز هوازن، سعد وجشم ونظر، وثلاث لقريش.
وقال الثالث: هي لقريش واليمن وجرهم وهوازن وقضاعة وتميم وطيِّئ.
وقال الرابع: سبع لغات لكعب بن عمرو وكعب بن لؤي.
وردّ الطبري هذا القول، بأنّ الصحابة إنّما تماروا في تلاوة بعض من القرآن وسورة منه، واختلفوا في قراءته دون تأويله، وأنكر بعضهم قراءة بعض في السورة الواحدة.
ولو كانت الاحرف السبعة: لغات متفرقة في جميع القرآن، فلا موجب للاختلاف. وإنّما قال الرسول (ص): إنّما هو بمنزلة قولك: هلمّ وتعال.
وإنّ الاحرف السبعة الّتي أنزل اللّه بها القرآن هي لغات سبعة في حرف واحد وكلمة واحدة باختلاف الالفاظ واتّفاق المعاني.
كقول القائل: هلمّ وتعال وأقبل وإليّ وقصدي ونحوي وقربي.
ونحو ذلك ممّا تختلف فيه الالفاظ بضروب من المنطق وتتّفق فيه المعاني، وإن اختلفت بالبيان به الالسن(39).
هكذا ردّ الطبري النوعين من التوجيه والتأويل، ثمّ حاول أن يجمع بين روايات السبعة أحرف والسبعة أوجه من الحلال والحرام وغيرهما، وقال ما موجزه:
إنّ الرسول (ص) أخبر عمّا خصَّ اللّه رسوله وأُمّته من الفضيلة والكرامة الّتي لم يؤت بها أحد من قبل، وذلك أنّه أنزل الكتب السابقة بلسان واحد ووجه واحد، وأنزل القرآن على سبعة أحرف وسبعة أوجه، ثمّ فسر السبعة أحرف بأنّ اللّه أنزل الكتب السابقة بلسان واحد، متى حوّل عنه إلى لسان آخر كان ذلك اللسان ترجمة له وتفسيرا، وليس تلاوة له على ما أنزله اللّه.
وأنزل كتابا بألسن سبعة بأيّها تلي كانت التلاوة على ما أنزله اللّه، وليست ترجمة وتفسيرا للقرآن حتّى يحوّل عن تلك الالسن السبعة إلى لسان آخر وحرف آخر فيكون عندئذ ترجمة للقرآن وتفسيرا، وليس تأويلا للقرآن.
وفسّر الاوجه السبعة بأنّ كلاّ من الكتب السابقة نزل من باب واحد، خاليا من الحدود والاحكام والحلال والحرام، كزبور داود والّذي هو تذكير ومواعظ. وإنجيل عيسى الّذي هو تمجيد، وحضّ على الصفح والاكرام دون غيرها من الاحكام والشرائع وما أشبه ذلك... فكان المتعبدون بتلك الكتب ينالون الجنّة من وجه واحد وباب واحد من أبواب الجنّة الّذي نزل من كتابهم.
وخصَّ اللّه نبيِّنا وأُمّته بإنزال القرآن على سبعة أوجه من الوجوه الّتي يدخل العامل بكلّ وجه من أوجهه السبعة في باب من أبواب الجنّة الّذي نزل منه القرآن، فيدخل العامل بما أمر اللّه به من باب، والتارك لمّا نهى عنه من باب ثانٍ، والمحل لمّا أحله اللّه من باب ثالث، والمحرم لمّا حرّم اللّه من باب رابع، والمؤمن بمحكمه من باب خامس، والتسليم بمشابهه من باب سادس، والاتّعاظبعظاته من باب سابع(40).
وبناء على ما نقلناه فإنّ الطبري فسّر الاحرف السبعة باللّغات السبعة، واستدلّ لما اختار وقال ما موجزه:
إنّ الاُمّة أُمرت بحفظ القرآن وقراءته وخيّرت في قراءته بأيّ الاحرف السبعة شاءت، ثمّ إنّ الاُمّة ـ لعلة من العلل ـ أوجبت عليها الثبات على القراءة بحرف واحد ورفض القراءة بالاحرف الستّة الباقية.
ثمّ ذكر تلك العلّة، وروي أنّه لمّا استشهد جمع من القراء في معركة اليمامة، أمر أبو بكر زيد بن ثابت بكتابة القرآن، فكتبه في قطع الادم وكسر الاكتاف والعسب، فلمّا توفي أبو بكر جمعها عمر في صحيفة واحدة، فلمّا توفي عمر كانت تلك الصحيفة عند حفصة، وعلى عهد عثمان أخبر حذيفة عثمان بتكفير أهل العراق أهل الشام لقراءتهم القرآن بقراءة أُبيّ، وتكفير أهل الشام أهل العراق لقراءتهم القرآن بقراءة ابن مسعود، فأمر عثمان زيد بن ثابت بكتابة القرآن، فنسخه في مصحف، وعرضه فلم يجد فيه آية من القرآن فاستعرض المهاجرين والانصار، فلم يجدها عندهم، وقد وجدها عند خزيمة بن ثابت فكتبها. ثمّ عرضه مرّة ثانية فلم يجد فيه آية أُخرى، فاستعرض المهاجرين والانصار، فلم يجدها عند أحدهم، ووجدها أخيرا عند رجل آخر يدعى خزيمة ـ أيضا ـ فأثبتها في آخر براءة. وقال زيد: لو تمّت ثلاث آيات لجعلتها سورة على حدة.
أنّهم عندما كانوا ينسخون القرآن ربّما اختلفوا في آية فيذكرون الرجل قد تلقاها من رسول اللّه (ص) ولعلّه يكون غائبا في بعض البوادي، فيكتبون ما قبل الاية وما بعدها ويدعون موضعها حتّى يجيء الرجل، أو يرسل إليه. وأنّه لمّا فرغ زيد من نسخ المصحف، عرضه على عثمان على الصحيفة الّتي عند حفصة فلم يختلفا في شيء.
أنِّي صنعت كذا وكذا، ومحوت ما عندي فامحوا ما عندكم.
ثمّ قال الطبري: أنّ عثمان جمعهم على قراءة واحدة خشية ارتدادهم عن الاسلام، لتكذيبهم بعض الاحرف السبعة الّتي نزل القرآن عليها مع نهي الرسول عن التكذيب بشيء منها، وإخباره أنّ المراء فيها كفر. فجمعهم على مصحف واحد وتلاوة حرف واحد وحرق ما عداه من المصاحف.
فتركت القراءة بالاحرف الستّة الّتي أمر بتركها حتّى درست من الاُمّة معرفتها، وتتابع المسلمون على رفض قراءتها من غير جحود لصحّة شيء منها.
فلا قراءة اليوم للمسلمين إلاّ بالحرف الواحد الّذي اختاره لهم إمامهم ـعثمانـ لانّهم كانوا مختارين في القراءة بأيّ الاحرف السبعة شاؤوا، فإنّ أمر الرسول (ص) بقراءة السبعة أحرف كان أمر إباحة ورخصة، ولم يكن أمر إيجاب وفرض(41).
أوّلا ـ جواب ما اختاره في تأويل الاوجه السبعة:
إنّ الرسل ينقسمون على: أصحاب شرائع ناسخة للشرائع السابقة، ومن لم يأتوا بشريعة جديدة، وإنّما دعوا إلى شريعة سلفهم.
وكان من القسم الاوّل، الرسول الكريم موسى بن عمران (ع) الّذي جاء بشريعة جديدة لبني إسرائيل.
ومن القسم الثاني: عيسى (ع). الّذي لم يأت بشريعة جديدة، وإنّما كان داعيا للعمل بشريعة موسى بن عمران (ع). كما سنشرح الامرين ـ بحوله تعالى ـ في ما يأتي:
ونضرب مثالا لمن جاء من الرسل بشريعة جديدة تحوي العقائد والاحكام الاسلامية، بما كان في شريعة موسى بن عمران لاُمّته من الحلال والحرام والامر والنهي، كما بيّنه القرآن الكريم، وقال في ما أحلّ اللّه لهم وحرّم عليهم:
(كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلاّ ً لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ). (آل عمران/ 93)
وقال:
(إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ... وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ...) (النَّحل / 115 ـ 118) وراجع الانعام /
146.
وأخبرنا عن بعض ما أمرهم به ونهاهم عنه، في قوله تعالى:
(وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاق بَنِي إِسْرَائِيلَ لاَ تَعْبُدُونَ إِلا اللّهَ وَبِالْوَالِدَيْن إِحْسَانا وَذِي الْقُربَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنا وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ...). (البقرة / 83)
(وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وقَدْ نُهُوا عَنْهُ...). (النِّساء / 161)
وأخبر عن زجرهم في قوله تعالى:
(وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلها كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ * إِنَّ هؤُلاَء مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ). (الاعراف / 138 ، 139)
وأخبر عن موعظته إيّاهم في قوله تعالى:
(وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الاَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَيْء مَوعِظَةً وَتَفصِيلا لِكُلِّ شَيء...). (الاعراف / 145)
وأخبر عمّا واعدهم في قوله تعالى:
(وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً) إلى قوله تعالى: (وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدا...). (البقرة / 51 ـ 58)
وأخبر عمّا ضرب لهم من المثل بقوله تعالى:
أ ـ (فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذلِكَ يُحْيِي اللّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ). (البقرة / 73)
ب ـ (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعا سُجَّدا يَبْتَغُونَ فَضْلا مِنَ اللّهِ وَرِضْوَانا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الاْ ِ نْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ...). (الفتح / 29)
وأخبر عمّا جاء في شريعتهم من الاحتجاج بما دار بين نبيِّيه موسى وهارون8 مع فرعون وقومه، في سورة الاعراف، ويونس، وهود، وطه، وغيرها.
وأخبر أنّه أخبرهم عمّا هو كائن في أخبارهم ببعثة خاتم الرُّسل (ص) فقد قال: (الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمْ وَإِنَّ فَرِيقا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ). (البقرة / 146) وراجع الانعام / 20.
وأنّهم لمعرفتهم به، وببركته كانوا يستفتحون باسمه في قتالهم مع المشركين قبل بعثته. وقال:
(وَلَمَّا جَاءهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِندِ اللّهِ ـ أي القرآن ـ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ ـ في التوراة من خبر بعثته ـ وَكَانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءهُمْ مَا عَرَفُوا ـ أي: الّذين عرفوه ـ كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ). (البقرة / 89).
أمّا المحكم والمتشابه في التوراة. فكان كلّ ما أوردناه من المحكمات في التوراة.
وأخبر عن وجود الامر المشتبه عندهم في حكاية أمرهم بذبح البقرة، وقال:
(قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وإِنَّا إِنْ شَاء اللّهُ لَمُهْتَدُونَ). (البقرة / 70)
* * *
ولو استعرضنا ما جاء في القرآن الكريم من أخبار بني إسرائيل وأنبيائهم، لوجدنا أمثلة كثيرة ممّا زعم الطبري وغيره من علماء مدرسة الخلفاء من أنّ اللّه خصَّ هذه الاُمّة بسبع أو بخمس: الحلال والحرام والامر والنهي والمحكم والمتشابه والموعظة ـ مثلا ـ لانّ اللّه سبحانه أخبر أنّه أرشد أُمّة موسى بن عمران، أي بني إسرائيل بها، وبطل ما افترضوه في معاني تلك الروايات.
ولا يصحّ قولهم أنّ هذه الاُمّة اختصت بشريعة فيها الحلال والحرام والامر والنهي والموعظة و... لانّ اللّه لم يخصّ هذه الاُمة وحدها بالدين والشريعة، ولم ينزل لغيرهم شريعة ولا دينا يدينون به، فقد أخبر اللّه سبحانه عن نوح وشريعته وأُمّته، وقال:
(وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلا خَمْسِينَ عَاما...). (العنكبوت / 14)
وأخبر سبحانه عمّا أرسل به نوحا والنبيِّين من بعده في قوله تعالى:
(إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مَن بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْراهِيمَ ـإلى قولهـ رُسُلا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلا يَكُونَ للِنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ...). (النِّساء 163 ـ 165)
وكيف تتمّ الحجّة على الناس إن لم يرسل الرُّسل بالدين ويوُحِ إليهم الشريعة الّتي تبين للناس الحلال والحرام والامر والنهي وأمثالها، وقد أخبر اللّه ـسبحانه وتعالىـ أنّه شرع للاُمم السابقة ما شرع لاُمّة محمّد (ص): في قوله تعالى:
(شَرَعَ لَكُم مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ...).(الشورى / 13)
وفي هذه الاية أوّلا قال اللّه ـ سبحانه ـ: شرع لكم من الدين ما وصَّى به نوحا وإنّ (وصية اللّه) في القرآن: بمعنى التشريع، كما نفهم ذلك من قوله تعالى:
(يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلاَدِكُم لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الاْ ُنثَيَيْن). (النِّساء / 11)
تبين هذه الجملة وما بعدها في الاية، ما شرع اللّه في الارث، وبين أنّه شرع في كلّ طبقة من الورّاث للاُنثى سهما واحدا في مقابل الذكر الّذي له سهمان، وعبّر عن هذا التشريع بلفظ (وصَّى).
وعلى هذا فإنّ معنى شرع لكم من الدين ما وصَّى به نوحا: أنّ اللّه شرع لنا من الدين وأوحى إلى النبيّ الخاتم (ص) ما شرع لنوح (ع) .
وفي قوله تعالى:
(... وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ...) (الشورى / 13)
هذه الجملة مفسّرة لقوله تعالى:
(إِنّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ... رُسُلا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ). (النِّساء / 163 ـ 165)
أي: أنّ اللّه أوحى إلى نبيِّنا وإلى الانبياء السابقين: أن أقيموا الدين. والدين كما ذكرناه آنفا هو مجموعة الاحكام الالهيّة الّتي شرعها للناس.
وبذلك تتمّ الحجّة على سائر الناس في الاُمم السابقة. وما فضلت به هذه الاُمّة هو أنّ الشريعة الّتي نزلت على خاتم الانبياء (ص) هي أكمل الشرائع وأتمها.
وأما ما قالوه: (من أنّ زبور داود هو تذكير ومواعظ، وإنجيل عيسى هو تمجيد حضّ على الصفح والاكرام دون غيرها من الاحكام والشرائع...) فإنّ خلو زبور داود، وإنجيل عيسى عليهما السلام من الاحكام والشرائع لايعني أنّ اللّه لم يشرع للناس في عصر داود وعيسى الاحكام والشرائع، وتركهم هملا ـ معاذ اللّه ـ، بل لانّ النبيِّين داود وعيسى كانا من القسم الثاني من الانبياء الّذين لم يأتوا بشريعة جديدة، وإنّما كانوا يدعون للعمل بشريعة النبيّ السابق عدا ما أحل عيسى بن مريم لبني إسرائيل بعض ما حرّم عليهم. وكان النبيّ السابق لهما، الّذي كانا يدعوان الناس للعمل بشريعته هو موسى بن عمران (ع)، وإنّ جميع الانبياء بعد موسى (ع) مثل اليسع وسليمان كانوا كذلك، يدعون الناس إلى العمل بشريعة موسى بن عمران (ع) حتّى بعث اللّه خاتم الانبياء (ص)، ونسخ بشريعته بعض ما كان في شريعة موسى بن عمران (ع).
كما قال اللّه في شأن عيسى بن مريم:
(وَرَسُولا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيل... وَلاِ ُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ).
(آل عمران / 49 ، 50).
وقال في سبب ما حرّم عليهم:
أ ـ في سورة النِّساء / 160:
(فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ اللّهِ كَثِيرا).
ب ـ في سورة الانعام / 146:
(وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ... ذلِكَ جَزَيْنَاهُم بِبَغْيِهِمْ...).
إذا فانّ عيسى بن مريم (ع) لم يغيّر من شريعة موسى (ع) عدا تحليل بعض ما حرّم على بني إسرائيل، ولم يتغيّر ما عدا ذلك من شريعة موسى (ع) في شريعة عيسى (ع) ، وفي كلتا الشريعتين لم تنسخ لبني إسرائيل من حنيفية إبراهيم عدا استقبال الكعبة والحج وعيد الاضحى والجمعة، وبقيت الحنيفية لمن تبعها من غير بني إسرائيل في ما عدا الصلاة إلى الكعبة الّتي جاز فيها استقبال بيت المقدس(42).
وكانت الحكمة في ما حرّم على بني إسرائيل تقوية نفوسهم الهَشَّة الخوّارة(43) وتمرينا لها على المقاومة في مشتهياتها في داخل نفوسهم والمقاومة في مقابلة الاُمم المعادية لها في الخارج.
ولعلّه كان ممّا أحلّ عيسى (ع) لبني إسرائيل في شريعته ما حرّم عليهم من الصيد عندما تأتيهم حيتانهم شرّعا يوم السبت وما حرّم عليهم من شرب ألبان الابل وأكل لحومها وأمثال ذلك لانتفاء الحاجة إلى تقوية نفوسهم في مقابل أعدائهم في الخارج.
وفي عصر خاتم الرسل (ص) اقتضت الحكمة الرّبّانية أن لاتبقى أُمّة إسرائيليّة ترى لنفسها الامتياز على كل البشر، وبذلك تكون تلك التشريعات أغلالا في أعناقهم وبتلك التشريعات يصبحون غرباء في كل مجتمع انساني يعيشون فيه وتبقى العداوة قائمة أبد الدهر بينهم وبين المجتمعات البشريّة الّتي يعيشون فيها وليصبحوا أبد الدهر جزءا من كل مجتمع يعيشون فيه تنتشر بينهم المحبّة والاخوّة والمساواة، فنسخ في الشريعة الخاتمة السبت والمناسك الخاصّة ببني إسرائيل، وأُمروا باتباع الحنيفية الّتي جاء بها خاتم الرسل (ص) كما أخبرنا سبحانه وتعالى عن ذلك وقال:
(الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الاُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبا عِندَهُمْ فِي التَّورَاةِ وَالاْ ِ نْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالاْ َغْلاَ لَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ...).(الاعراف / 157)
وبناء على ما ذكرنا، فانّ شريعة عيسى (ع) لم تغيّر من شريعة موسى (ع) عدا بعض ما احلّ لبني إسرائيل ممّا كان قد حرّم عليهم في شريعة موسى بن عمران (ع).
أمّا ما يعمله النصارى من ترك الختان واتّخاذ يوم الاحد عيدا بدلا من السبت، خلافا لليهود، فلم يأت بها عيسى بن مريم (ع) وانّما هي كالرهبانية الّتي ابتدعها أحبارهم ورهبانهم، كما قال اللّه سبحانه:
(وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيهِمْ). (الحديد / 27)
وبما أنّ النصارى اتّخذوا ما ابتدعها أحبارهم ورهبانهم دينا، قال اللّه في حقّهم:
(اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابا مِنْ دُونِ اللّهِ...). (التّوبة / 31)
تفسير الكلمات:
اصرهم: الاصر: القيد والتكاليف الشاقة.
أربابا: ومفرده الربّ.
وقد كثر استعمال الرّبّ في المربّي وحده، كما قال اللّه سبحانه: (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابا مِنْ دُونِ اللّهِ). (التّوبة / 31)
والمربّي هنا هو الّذي يشرع نظاما لحياة المربوب كما فسّره النبيّ (ص) لعدي بن حاتم كما جاء في تفسير الاية بمجمع البيان عن تفسير الثعلبي عن عدي بن حاتم، قال:
أتيتُ رسول اللّه (ص) وفي عنقي صليب من ذهب، فقال لي: يا عدي! اطرح هذا الوثن من عنقك، قال: فطرحته، ثمّ انتهيت إليه وهو يقرأ: (...اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابا مِنْ دُونِ اللّهِ...)، فقلتُ: إنّا لسنا نعبدهم، فقال: أليس يحرّمون ما أحلّ اللّه فتحرّمونه ويحلّون ما حرّم اللّه فتستحلّونه؟
فقلت: بلى.
قال: فتلك عبادتهم(44).
وروى أيضا عن أبي جعفر وابنه أبي عبداللّه ـ 8 ـ، أنّهما قالا:
أمّا واللّه ما صاموا لهم ولا صلّوا، ولكنّهم أحلّوا لهم حراما، وحرموا عليهم حلالا، فاتبعوهم، وعبدوهم من حيث لايشعرون(45).
إذا فإنّ الناس في عصر داود وسليمان 8 لم يخلوا من دين يأمرهم بما فرض اللّه لهم وينهاهم عمّا حرّم عليهم، وإنّما كانوا يتلون التوراة ويتبعون أحكامها وشرائعها.
وكان عليهم أن يهتدوا بما فيها من أحكام وشرائع.
وأُضيف إلى ذلك في زمن داود (ع) مواعظ في زبور داود (ع)، وفي زمن عيسى (ع)، تمجيد اللّه والحضّ على الصفح والاكرام في الانجيل.
ثانيا ـ روايات نزول القرآن على سبعة أحرف، أي: بسبع لغات
هذا الافتراض على ما قرروه، قائم على أساس صحّة افتراضين:
الافتراض الاوّل: أنّ يكون القرآن قد نزل على سبع لغات من لغات العرب وقد اختلفوا في تعيينها على الاقوال الاتية:
أ ـ أن يكون خمس منها لهوازن واثنتان لسائر العرب.
ب ـ أن يكون أربع منها لهوازن وثلاث لقريش.
د ـ أن تكون اللّغات السبع لكعب بن عمرو وكعب بن لؤي.
هـ أن تكون سبع لغات متفرقة لجميع العرب، كلّ حرف لقبيلة.
وفي اختلافهم في تعيين اللّغات السبع دليل واضح على أنّ ليس لهذا الافتراض مقومات الافتراض العلمي. وإنّ الظّنّ لايغني من الحقّ شيئا.
إِضافةً إلى ذلك نقول: إنّ هذا الافتراض باطل من أساسه بالادلّة التالية:
أ ـ قوله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَسُولٍ إِلا بِلِسَانِ قُوْمِهِ...). (إبراهيم / 4)
وكان لسان قوم النبيّ لسان قريش.
ب ـ إنّ مكّة كانت أُمّ القرى العربية في الجزيرة العربية، وكان لسانهم أفصح ألسنة القبائل العربية.
وفي كلّ الالسنة والازمنة والبلاد لايتكلّم الناس في العاصمة بلهجات أهل البوادي والارياف والقرى النائية عن العاصمة.
وأمّا ما قيل من وجود لغات غير عربية أو ألفاظ غير قرشية في القرآن، فنقول في الجواب:
إنّ الالفاظ تنتقل من لغة إلى أُخرى في جميع الالسنة، غير أنّ أهل اللسان الثاني يجرون عليها من النقل والابدال ما يحولها إلى سنخ لغتهم.
ومثال ذلك كلمة (سجّيل) في سورة الفيل الّتي قالوا: إنّها كانت في الاصل (سنك كل) وهي كلمة فارسية، وبعد أن جرى هذا القلب والابدال عليها أصبحت عربية.
والدليل على ذلك أنّ أهل الفارسية لايفهمون معنى كلمة (سجّيل)، وأصبحت بعد القلب والابدال كلمة عربية وقرشية، لانّ قبيلة قريش استعملتها.
وكذلك شأن بعض كلماتٍ جاءت في القرآن، قيل إنّ أصلها من لغات غير قريش من القبائل العربية، فإنّ تلك الكلمات بعد استعمال قريش لها في محاوراتهم تصبح قرشية.
وبناء على ما قررنا، ليس في القرآن كلمة غير قرشية.
وصرَّح بذلك الخليفة عثمان عندما أمر ثلاثة قرشيين وزيدا من الانصار أن ينسخوا المصاحف (كما جاء في باب مناقب قريش وباب كيف نزل الوحي وباب جمع القرآن من كتاب فضائل القرآن بصحيح البخاري) فقال ما موجزه:
(إذا اختلفتم في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش فانّما نزل بلسانهم ففعلوا ذلك)(46).
كان ذلكم افتراضهم الاوّل وجوابنا عنه. وافتراضهم الثاني وجوابنا عليه كالاتي:
الافتراض الثاني:
قالوا بوجود ألفاظ مترادفة في لغة العرب بأيّها قرأت القرآن أصبت، في حين أنّه لاتوجد في لغة العرب ألفاظ مترادفة، لايختلف معنى بعضها عن بعض، بل أنّ الالفاظ الّتي يقال عنها: إنّها مترادفة في حين أنّها تشترك في المصداق.
والمصداق يتضمّن كلّ لفظ منها معنىً يختصّ به ويمتاز به عن مرادفه، ويعرف ذلك بدراسة موارد استعمالها في كلام فصحاء العرب.
فإنّ للرقبة والعنق والجيد ـ مثلا ـ مصداقا واحدا، غير أنّ الجيد يتضمّن معنى الحسن، ومن ثمّ يقال: (جيد الفتاة)، و(جيد الغزال)، ولا يقال عند وصف حسنهما: ما أجمل عنق الفتاة أو ما أحسن رقبة الغزال!.
والرقبة جزء من الانسان، وقد يتضمّن معنى الكلّ، فيقال: (عتق رقبة) ولا يقال: أعتق جيدا أو عنقا. ويتضمن العنق في ما يتضمن معنى الطول. ومن ثمّ يقال: طويل العنق، ومدّ عنقه. ولا يقال: مدّ رقبته أو جيده.
ومن ثمّ ندرك بعض وجوه البلاغة في قوله تعالى في ذمّ أُمّ جميل زوجة أبي لهب: (فِي جِيِدهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ) (المسد / 5). فإنّه ـ تعالى ـ وصفها بأنّها جعلت في جيدها ـ بدلا من القلادة الّتي تزين جيد الفتاة ـ حبلا من ليف النخل تحمل به الحطب.
إمّا لالقائها الشوك في طريق الرسول (ص)، أو لقيامها بإيقاد نار الفتنة بين رسول اللّه (ص) وزوجها أبي لهب عمّ رسول اللّه (ص).
ولا يصحّ هنا تبديل لفظ (الجيد) بـ (العنق) أو بـ (الرقبة)، فإنّه يفسد بلاغة المعنى في الكلام، وكذلك يفسد تبديل الجيد بـ(العنق) و(الرقبة) جمال الايات ذات الوزن الفنّي، كما يدرك ذلك بلغاء اللّغة العربية(47).
* * *
كان ما ذكرناه شأن الالفاظ الّتي قيل: إنّها مترادفة في لغة العرب.
أمّا ما نسبوا إلى رسول اللّه (ص) أنّه ذكر: هلمّ وتعال وأقبل وغيرها كأمثلة للمترادف في لغة العرب، وحاشا رسول اللّه (ص) أن يكون قد قاله، فنقول: إنّها تنقسم على المجموعات الثلاث التالية:
أ ـ أقبل وتعال وحيهلا وهلمّ.
ب ـ اذهب وأسرع وعجّل.
ج ـ عليما حكيما، غفورا رحيما.
زعم الراوون للروايات السابقة أنّ أفصح من نطق بالضاد رسول ربّ العالمين (ص) قال عن المجموعتين الاوّليين: بأيّ هذه الالفاظ قرأت القرآن، أصبت.
وحاشا رسول اللّه (ص) من هذا القول ، لانّ الخبير باللّغة العربية يدرك من موارد استعمال تلك الالفاظ في الكلام العربي الفصيح أنّ لكلّ لفظ منها معنىً يختلف عن معاني مثيلاته الاُخر، ولا يصحّ استعمال غيره مكانه.