أربعون اجتهادا خاطئا في توجيه الاحرف السبعة والاوجه السبعة

أدرك علماء مدرسة الخلفاء عظم الكارثة على المسلمين في روايات الانساء، والسبعة أحرف والسبعة أوجه.

فاجتهدوا وعالجوا روايات الانساء بالقول بالنسخ. وأخطأوا، كما سنبينه في ما سيأتي بحوله تعالى. واجتهدوا أيضا وعالجوا روايات السبعة أحرف بأقوال كثيرة، بلغت في عصر ابن حبّان (ت: 354ه) خمسة وثلاثين اجتهادا خاطئا، حيث قال:

((اختلف الناس فيها على خمسة وثلاثين قولا))(30).

وبلغتْ في عصر ابن حجر (ت: 258ه) على نحو أربعين قولا.

وبعد أن أورد معظمها، قال: (ومنها أشياء لا أفهم معناها)(31).

وكان كلّ واحد من أُولئك العلماء يردّ قول الاخر واجتهاده. ونحن نرجع في ما يأتي إلى الطبري إمام المفسِّرين بمدرسة الخلفاء، وندرس أهمّ ما نقل من اجتهاداتهم في الباب وأشهرها، بإذن اللّه تعالى.

قولهم: بأنّ المقصود من السبعة أحرف: سبعة أوجه

اجتهد بعض العلماء، وحاول أن يجمع بين روايات السبعة الاحرف الماضية وروايات أُخرى جاء فيها لفظ سبعة أحرف، كالاتي:

في تفسير الطبري ومسند أحمد واللفظ للاوّل: عن ابن مسعود قال:

كان الكتاب الاوّل نزل من باب واحد وعلى حرف واحد. ونزل القرآن من سبعة أبواب وعلى سبعة أحرف: زجر وأمر وحلال وحرام ومحكم ومتشابه وأمثال، فأحِلّوا حلاله وحرِّموا حرامه، وافعلوا ما أُمرتم به، وانتهوا عمّا نهيتم عنه، واعتبروا بأمثاله واعملوا بِمُحكَمه وآمنوا بمتشابهه، وقولوا: آمنا به كلّ من عند ربّنا(32).

وفي رواية أُخرى:

خمسة أحرف، بدون (زجر وأمر)(33).

وروى الطبري عن أبي قلابة:

أنّ النبي قال: أُنزل القرآن على سبعة أحرف: أمر وزجر وترغيب وترهيب وجدل وقصص ومثل(34).

واختلفوا في تعيين المقصود من السبعة أوجه. وذكروا أنواعا من التوجيه والتأويل، كالاتي:

الاوّل: أنّ المقصود من الحروف السبعة، وجوه سبعة. ثمّ اختلفوا في تعيين تلك الوجوه، فقال بعضهم، انّ الاوجه السبعة:

حلال وحرام وأمر ونهي وزجر وخبر ما هو كائن بعد وأمثال.

وقال الاخر:

وعدٌ ووعيد وحلال وحرام ومواعظ وأمثال واحتجاج.

وقال الثالث:

زجر وأمر وحلال وحرام ومُحكم ومتشابه وأمثال. إلى غيرها من الاقوال(35).

وقد أطال الطبري في ردّ هذه الاقوال، وقال ما موجزه:

لو كان تماري الصحابة في ما تماروا فيه تماريا واختلافا في ما دلّت عليه تلاواتهم من التحليل والتحريم وما أشبه ذلك، لكان مستحيلا أن يصوّب الرسول (ص) جميعهم، ويأمر كلّ قارئ أن يلزم قراءته على النحو الّذي عليه. لانّ ذلك لو صحّ كان اللّه ـ جلّ ثناؤه ـ قد أمر بفعل شيء في تلاوة من دلّت تلاوته على وجوب ذلك الفعل ونهى عنه في تلاوة من دلّت تلاوته على النهي، وأباحه في تلاوة من دلّت تلاوته على التخيير.

في حين أنّ اللّه لم ينزل كتابه إلاّ بحكم واحد لجميع خلقه، لا بأحكام مختلفة. وأنّ النبيّ (ص) لم يقض في شيء واحد في وقت واحد بحكمين مختلفين(36).


30 راجع البرهان في علوم القرآن للزركشي 1 / 212، النوع الحادي عشر: معرفة كم نوع؛ والاتقان 1 / 50.

31 راجع الاتقان 1 / 47 ـ 51، المسألة في الاحرف السبعة.

32 مسند أحمد 1 / 445؛ وتفسير الطبري 1 / 23 ـ 24.

33 تفسير الطبري 1 / 24.

34 تفسير الطبري 1 / 24.

وأبو قلابة، عبداللّه بن زيد بن عمرو الجرمي البصري، كثير الارسال. أخرج حديثه جميع أصحاب الصحاح. توفي سنة 104ه بالشام. تقريب التهذيب 1 / 417.

35 الاتقان 1 / 50، القول السادس عشر من النوع السادس عشر.

36 تفسير الطبري 1 / 16 ـ 17.